متى يُدرك نظام الظلام فداحة تركة الخميني الكارثية؟

0 251

هل سأل الإيرانيون يوماً عن الأسباب الحقيقية للأزمات المتتالية التي يعانونها والفقر الذي تغرق فيه الغالبية، فيما هناك طبقة لا تتعدى الخمسة في المئة تتنعم بخيرات بلادهم؟
هل سألوا لماذا سادت الديكتاتورية الدينية المستترة بعباءة مرجعيات جعلت نفسها في مصاف الأنبياء والقديسين، وكيف تقهقرت إيران الى هذا الدرك من التخلف العلمي والثقافي والصناعي، والعزلة الدولية حتى أصبح الإيراني مشبوهاً أينما حلَّ؟
يبدو أن المتسلطين على مقدرات الدولة والحكم لا يريدون الوصول الى الدواء الشافي لهذا المرض العضال للخروج من الواقع المزري الذي وصلت اليه البلاد، فيما يواجهون يوميا مئات آلاف المنتفضين على السلطة بعدما أعياهم الجوع والمرض، وبات التسول مهنة ملايين الإيرانيين كي يحصلوا على رغيف يسدون به جوعهم.
لا شك أن الإجابة التي يشيح قادة نظام الملالي وجوههم عنها مرعبة لهم، لأنها الحقيقة التي يحاولون التستر عليها منذ العام 1979 حين وصل الخميني الى الحكم على حصان فرنسي- أميركي- بريطاني، حاملا في ذهنه لغة الانتقام والحقد خطابا وحيدا، لبلد كان في يوم ما منارة ثقافية وحضارية، بينما هو أدخله عصر الظلمات، جاراً معه بعض مجتمعات المنطقة بفعل الحماسة الغرائزية التي شحذها في نفوس جماعات الرؤوس الحامية مذهبياً.
ما تعانيه اليوم إيران هو بسبب تلك التركة الثقيلة للخميني التي حافظ عليها خليفته ومنظومة الإرهاب الملالوية، بدءاً من إشعاله حرب الثماني سنوات مع العراق ردا على استجابة بغداد طلب الشاه عندما طردته خارج أراضيها، وحقده، حينها على الكويت التي رفضت استقباله، وصولا الى عودته الى إيران حين بدأ القتل والإعدامات العلنية لغالبية المسؤولين كي لا يكون له أي شريك في الحكم. ففي أولى موجات حمام الدم ذاك أعدم في غضون شهرين نحو 250 من كبار المسؤولين، ولم يسلم منه أول رئيس جمهورية وهو أبوالحسن بني صدر، حين اختلف معه في وجهات النظر ففر من البلاد خوفا من الاغتيال.
هذه التركة أيضا هي التي جعلت الاستخبارات الإيرانية تتبع سياسة الحقد الخمينية ضد دول الإقليم، إذ نفذت خلاياها عمليات تفجير واغتيال في الكويت والمملكة العربية السعودية والبحرين والإمارات والعراق، وعمدت لاحقا الى التدخل في شؤونها الداخلية، عبر ما سمي «أحزاب الله».
الشر الخميني لم يقتصر على السياسة، فالرجل عمل على تحريف الفهم الشيعي لمعنى ولاية الفقيه، زاعما أن أي انتقاد للمسؤولين في النظام، وخصوصا من يسمى الولي الفقيه، يعتبر محاربة لله ورسوله، ومن أجل تعميق الشرخ الإسلامي ابتدعت استخباراته عادة شتم الصحابة وأم المؤمنين عائشة (رضي الله عنهم)، كي يكون ذلك وقوداً لحرب مذهبية بين الشيعة والسُنة.
لقد ترجم هذا التفسير الخاطئ والإرهابي للقاعدة الفقهية الشيعية في الاضطرابات والاحتجاجات التي شهدتها إيران طوال العقود الأربعة الماضية، أي إيقاع حد الحرابة على المخالفين سياسياً، وبدأت على مستوى واسع في العام 1988، قبل موت الخميني بسنة، حين أفتى بإعدام 30 ألفاً من المعارضين وأعضاء منظمة «مجاهدي خلق» لتكر بعدها سبحة الإعدامات والزج في السجون وكان آخرها في الانتفاضة الحالية التي راح ضحيتها 1300 قتيل ونحو 15 ألف معتقل.
يدرك الجميع في الإقليم والعالم أن النظام الإيراني يفتقد الى الواقعية السياسية في مقاربة القضايا الإقليمية والدولية، ولهذا يصطدم منذ أربعة عقود بالمجتمع الدولي، إذ لا يكاد يخرج من أزمة إلا ليدخل ثانية أكثر تعقيدا من الأولى.
فيما لو كان الخميني، ومن بعده خليفته خامنئي ترجما شعاراتهما حيال القضاء على إسرائيل الى واقع، وأثبتا مصداقيتهما في ذلك، لكانا وفرا على المنطقة الويلات التي شهدتها بسبب تحكم الأوهام في سلوك مرجعية النظام.
لهذا لا يصدق أحد في الإقليم تصريحات قادة نظام الملالي الجوفاء، التي تكاد تصور إيران في أفضل حالاتها الاقتصادية والسياسية والأمنية، داخليا وخارجيا، وأنها قوة عظمى تنافس الولايات المتحدة الأميركية والصين وروسيا على قيادة العالم، وليست دولة منبوذة ترزح تحت عبء هائل من المشكلات الاقتصادية والمعيشية. لا شك أن التهديدات الجوفاء التي يصدرها قادة النظام، وآخرهم قائد الحرس الثوري ليست أكثر من هذيان لا يعبر عن واقع، فمن يسميهم هذا الأفاق «الأعداء الإقليميين» وهو يقصد دول الخليج العربية أصبحت اليوم قوة لا يستهان بها، كما أن الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا التي صنعت النظام قادرة على إسدال الستارة على هذه المسرحية وقت تشاء، وبالتالي لا مفر له من العودة الى الواقع والنظر بعين العقل لما يعانيه الشعب الإيراني، ويتخلص من عقدة الدونكيشوتية التي تتحكم به.
هذا النظام الذي يرى قادته الملايين من شعبه يئنون من الجوع والمرض، ويفتقدون الى أبسط مقومات الحياة لا يتوانى عن بناء قبر للخميني كلف نحو مليار دولار قبل نحو 30 عاما، وينفق على صيانته عشرات الملايين سنوياً، فهل لهكذا نظام قدرة على النهوض ببلد مثل إيران؟

أحمد الجارالله

You might also like