مجلس التعاون لدول الخليج العربية… بعد ثلاثة عقود (4)

حمد أحمد عبدالعزيز العامر

السفير حمد أحمد عبدالعزيز العامر

تواجه دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية أزمات وأخطارا متعددة يمكن تصنيفها في مستويين، هما”المستوى الخارجي” والذي يتمثَّل في ما تعانيه دول الجوار العربية (العراق وسورية واليمن) من أوضاع سياسية وأمنية معقّدة ومتردية وخطيرة جداً، و”المستوى الداخلي” المتمثِّل في الأذرع الداخلية الإيرانية وما تمارسه من أدوار تخريبية على الأراضي الخليجية- وتحديداً المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين ودولة الكويت- من إشعال فتيل الأزمات ونيران الفتن الطائفية لتنفيذ مخططاتها وتحقيق أطماعها بتنفيذ المشروع الإيراني الطائفي، الذي يشكِّل تهديداً خطيراً على كيان الأمتين العربية والإسلامية؛ خصوصاً بعد نجاح الثورة الخمينية العام 1979، وتبنّي الدستور الإيراني مبدأ “تصدير مبادئ الثورة” ونظرية ولاية الفقيه، وتعزيز نفوذها في المنطقة عبر شعارات حماية حقوق الإنسان وحرية التعبير، وادعاء المظلومية ليتحقق حلم قيام “الدولة الإسلامية الشيعية الكبرى” على امتداد الوطن العربي.
إن ضمان مصالح الشعوب عبر التعاون الوثيق واستقرار العلاقات القائمة على أُسس المصالح الاقتصادية بين دول “مجلس التعاون” والجوار الإقليمي، واحترام وتنفيذ مبادئ تعزيز الثقة، وإقامة علاقات حُسن جوار واعتماد الحلول السلمية لحل القضايا العالقة وعلاقات تعاون اقتصادي دائم بهدف النأي بالمنطقة عن الحروب والصراعات، كما أن خَلق سياج قوي حامي لحاضر ومستقبل دول “مجلس التعاون”، يضمَن وضع حَد للاضطرابات الداخلية وما يترتَّب عليها من انعكاسات خطيرة على استقرار دول المجلس، وبخاصة بعد تصاعد المَد الطائفي الإيراني المحكم، خصوصاً مع استثمار إيران للاتفاق النووي الموقَّع مع مجموعة “5+1” في يوليو 2015، الذي منحها اعترافاً بنظام “ولاية الفقيه” كنظام سياسي مقبول دولياً ومفروض إقليمياً.
ذلك كلّه يتطلَّب حِفظ منطقة الخليج من تبعات التوترات والحروب والصراعات القائمة في المنطقة وتحركات الأذرع الخبيثة داخل أراضيها، ومن أجل تحقيق هذا الهدف المهم لبناء مستقبل جديد ومستقر للمنطقة، ولوقف جماح إيران وسعيها الدؤوب في تنفيذ مخططاتها، لابد من اتخاذ الخطوات الضرورية الآتية:
1- تعزيز الاندماج الشعبي داخل دول المجلس ذاتها.
2- تقليص تفاوت المستوى المعيشي بين مواطني دول المجلس، بضخ الأموال في مشاريع التنمية في الدول الأقل دخلا.
3- إنشاء صناديق مالية لخلق التوازن بين مستويات المعيشة ومعدلات النمو.
4- إيجاد الحلول الفاعلة للقضاء على البطالة.
5- العمل الجاد نحو تحقيق العدالة الاجتماعية.
6- القضاء على الفساد.
7- التوزيع العادل للثروة.
8- تمكين المرأة من إدارة المجتمع.
9- البحث عن الصيغ المناسبة لإقامة النظام التعددي الذي يساعد على مشاركة المواطن الخليجي في الحكم.
10- اعتماد خطة للتنمية الشاملة بإقامة فضاء اقتصادي نشط بين دول “مجلس التعاون” ودول الجوار.
وحين التعمّق في تلك الخطوات المهمة، نجد أنها تعني ضرورة إيجاد شراكة اقتصادية وتجارية صحيحة وجادة مع دول الجوار العربية لإزالة الفوارق الاقتصادية والاجتماعية تدريجياً عبر إقامة “منطقة الرخاء الاقتصادي العربية” تضم كلٌ من: دول “مجلس التعاون”، مصر، العراق، اليمن، الأردن، لبنان، سورية، على أن يكون للدول الأعضاء فيها علاقات متميزة مع إيران على نسق العلاقات الأوروبية- التركية، وذلك بما يضمن إقامة منطقة اقتصادية آمنة فيما وراء حدود دول “مجلس التعاون”، والنظر في ضمّ إيران وباكستان لهذه المنطقة في فترة لاحقة.
ويمكن تحديد الخطوط العريضة لإقامة منطقة الرخاء الاقتصادي العربية في الآتي:
أولاً: اعتماد قواعد هيكلية متماثلة في دول “مجلس التعاون” ودول الجوار العربية، ومن أجل ذلك يمكن تشجيع دول الجوار العربية على تنفيذ التشريعات والأنظمة الخليجية المتعلقة بهذا الشأن، وتقديم الدعم المالي إليها، لضرورة ذلك في توسيع وتسهيل إقامة فضاء اقتصادي مشترك في المنطقة.
ثانياً: تقليص مستوى الفقر في دول الجوار العربية، عبر الاندماج وتعزيز العلاقات السياسية والاجتماعية والثقافية، ومنح الحرية لتنقل الأفراد والسلع والخدمات ورؤوس الأموال.
ثالثاً: تطوير التعاون الاقتصادي والتجاري بين الطرفين الخليجي والعربي بمنح مزايا تجارية تفضيلية للدول وفقاً لدرجة تجاوبها مع الآليات المقترحة للتقارب الاقتصادي.
رابعاً: تطوير البنى التحتية وإقامة شبكة متكاملة ومندمجة للنقل والمواصلات والاتصالات والطاقة.
خامساً: ضمان حرية تنقل السلع والخدمات ورؤوس الأموال والأفراد بين الدول الأعضاء في منطقة الرخاء الاقتصادي، كما في الاتحاد الأوروبي الذي اعتمد حريات تقديم الخدمات ونقل السلع والبضائع والأشخاص ورأس المال بعد أن استكمل إجراءات السوق الأوروبية المشتركة في العام 1993.
سادساً: دعم التكامل الاقتصادي من خلال إقامة مشاريع التمويل المشترك، ووضع آليات لتشجيع الاستثمارات المتبادلة ودعمها وحمايتها وإزالة العقبات التي تواجهها، وتأمين مناخ إيجابي للاستثمارات الأجنبية المباشرة.
سابعاً: تشجيع عقد الاتفاقيات المتنوعة بين المؤسسات الصناعية، ودعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
ثامناً: وضع برامج مشتركة وفاعلة لحماية البيئة على المستوى الإقليمي.
تاسعاً: تعزيز التعاون في مجال الصيد البحري بهدف حفظ وإدارة الموارد البحرية وحمايتها.
عاشراً: إقامة حوار حول السياسات الاقتصادية بين دول “مجلس التعاون” ودول الجوار العربية وكل من إيران وباكستان لتبادل الأفكار والرؤى حول المستجدات على الساحة الاقتصادية والتجارية والاستثمارية.
حادي عشر: تعزيز التعاون في مجال دعم حقوق الإنسان بكل جوانبه بما ينسجم مع القيم العربية والإسلامية الأصيلة.
والجدير ذكره إن بعد “الربيع العربي” الذي انطلقت شرارته منذ اواخر العام2010 وأسقط عدد من الأنظمة العربية، وعَصَف الأمة بشعارات العدالة وضرورة التغيير لتعاني حتى اليوم من الإرهاب والصراعات الداخلية والانقسامات، بدأ مجلس التعاون لدول الخليج العربية التفكير الجاد في توسعة عضويته بضمّ كل من المملكة المغربية والمملكة الأردنية الهاشمية، إلا أن تلك الفكرة لم ترَ النور بسبب تحفّظ بعض دول المجلس التي رأت الاكتفاء بإقامة علاقات خاصة مع هاتين المملكتين، والتي على ضوؤها تم الاتفاق على آلية للاجتماعات المشتركة على مستوى الخبراء ووزراء الخارجية لم تصل حتى الآن إلى نتائج ذات تأثير ملموس على العلاقات الاقتصادية والتجارية والاجتماعية والاستثمارية وعلى نحو يستشعره المواطن.
• المحلل السياسي للشؤون الإقليمية و”مجلس التعاون”