من وحي الناس

مجنون ليلى ابداع وتمرد من وحي الناس

خالد عبدالعزيز السعد

قيس بن الملوح عرف في التاريخ العربي بحب أوصله إلى الجنون وبالقطع لم يكن جنون قيس تقليديا، والا لما استطاع ان يبدع تلك الروائع الشعرية فهل، يكون شعر مجنون هذا الذي يرسم صورا بالكلمات تهز الوجدان العربي حتى قرننا الواحد والعشرين، لكن الموقف أو الرمز الذي اكتشفه هذا المحترق بغربة الأيام وعتمة الظروف، وهي بلاشك ظروف معادية، وشرسة في معاداتها للعقل الإبداعي، وتعمل بوسائل تاريخية بالغة القهر، والعداء للحيلولة دون وصول الانسان لانه يصنع مصيره، مغايرا للانقياد الاعمى ومسايرة الظلم، والكبت فهو قد آمن بما يبدو لنا انه مستحيلا، وشق طريقا آخر جعل مفاهيم عصره تنقلب وحوشا مفترسة تريد النيل منه من هذا الكائن الحي المبدع، فكلما تواترت الشواهد على جنون قيس توفرت الادلة على عقله، وابداعاته ايضا فالعقل الراكد، والقابض على مقاييس العقل، والجنون هو العقل المتجمد والهامد كالرماد بعد المطر، وذلك من اجل غايات غبية ترسم خطا بيانيا من السقوط والانغلاق، فالشعر،والحب، والإبداع جميعا، محاولة لاختراق المجهول، والإمساك بالدهشة بيدها لحظة المعرفة، وجعل ما هو زمني خارج الزمن، وما هو تاريخي فوق التاريخ، بمعنى انه لا يسقط العناصر التاريخية بل أنه يتجاوزها بعد أن يحتويها فالحب، والشعر، والإبداع، فيض الطبيعة العظيم يملأ شعاب النفس بالفرح،، والبدء الجديد، ويدفع لاعتناق حميم للعالم فتجربة الإنسان الإبداعية تتجاوز العقل بمفهومه الاصطلاحي وتسوق قيسا الى القبول بالمخاطرة، ولو بحياته لأنها تعد في نظرته للتحدي طبقا لرؤية جديدة يكسو أبعادها ألوان الحياة تحتمها عملية الخلق على غير ما تراه عيون النظام الاجتماعي، والعشائري والطبقي، وعسسهم وما يراه الممارسون طقوس النفاق، والمزورون للحقائق، والخاضعون على الاقدام الموبوءة بالأنانية وكراهية النبوغ والخائفون من التغيير فقيس المحب هو قيس المتمرد على السكون والترددية وعلى التقاليد المتعجرفة والمسايرة، والراكعة، أمام أكوام الأعراف والعصبيات وعلى أمراض عصره خصوصا اذا عرفنا الفترة التاريخية، التي جاء فيها قيس الشاعر المبدع حيث الصراعات في الدولة الأموية، ومن هنا نقول إن سيد العقلاء في زمن العصبيات القبلية، والجفاف العاطفي، والدماء التي تلطخ التلال، والصخور للمنافع والغايات المحدودة تشرق عاطفته الجياشة، وتتسع لتشمل الطبيعة بأسرها، وتتسع بالآفاق الإبداعية لتحتضن المكان، والزمان حبا وللناس حزنا وحنينا.
أحن اذا رأيت جمال قومي
وأبكي ان سمعت لها حنينا
سقى الغيث المجيد بلاد قومي
وان خلت الديار وان بلينا
على نجد وساكن ارض نجد
تحيات يرحن ويغتدينا

فغربة سيد العقلاء هي غربة الانسان المختلف بانكساراته الجارحة واحتراقاته اللاهبة في رحى السنين، والبحر التاريخي الجارف لأمراض عصره، برغم شقوق النفس وتصدعاتها امام طواويس القبيلة، والعشيرة التي تهاجم الإنسان في أبسط حقوقه وأحلامه وتوقه الخالد فهو حجر البناء في عمارة الابداع وهو الدليل في ظلام الليل، يلقي وهجه في الاعماق ويجرح العين بروعته وسحر كلماته الباهرة الملامسة للجوهر الانساني الخالد فإبداع قيس مغامرة طويلة، وشاقة وقاسية تلك التي سار عليها وسار عليها المبدعون مع كل عمل، وكل صورة حيث الانطلاق في فضاء طازج يمنح حلاوة الروح في فكرة جديدة تقدح بها أعماقه الصاخبة في اقتراب جديد من الحياة.
وكشف اسرارها الغامضة والمثيرة وتحريك ثبوتيات العالم القديم، واضفاء عنصري الحركة واللون والالتصاق الغامض والمثير بحركة الحياة وحقائق النفس البشرية فالفن ابداع وليس قفزة في الفراغ وضرورة تختمها عملية الخلق في سبرأغوار النفس الانسانية حتى وان خرجت قوى الجمود والثبات ضد التغيير ومداهمة البراعم الغضة بفؤوس اليأس والتيئيس فإن رحلة الإبداع لن تتوقف حبا ووفاء للوطن وأهله ومستقبله.

كاتب كويتي