محمد الأخرس… الكاتب العراقي الشجاع: الثقافة ترمم جروحنا الحضارية رصد الحرب والقمع والموت في "ليلة المعاطف الرئاسية"

0 166

غالبية مثقفي العراق لا يعرفون شيئا عما يحدث في مجتمعهم والقلة فاعلة باعادة الثقة للروح الوطنية

القاهرة – أحمد الجدي:

محمد غازي الأخرس أديب عراقي، حاز وباقتدار لقب “الكاتب الشجاع “نظرا لكتاباته القوية التي تتصادم مع أي فكر خاطئ في المجتمع العربي حتى لو كان هذا الفكر هو السائد. قدم أعمالا أدبية كبير جعلته ضمن كبار مثقفي العالم العربي، كان آخرها الرواية المثيرة للجدل “ليلة المعاطف الرئاسية” والتي جعلت جميع القراء ينظرون للأوضاع في العراق نظرة مختلفة.
الأخرس في حديث خاص لـ “السياسة “تطرق الى أعماله الأدبية الماضية وأعماله المقبلة ورؤيته لمستقبل العراق،ودور المثقفين في بناء بلادهم من جديد بعد تخلصها من الإرهاب.
ضرب الإرهاب العراق ودمره، فهل تستطيع الثقافة بناءه من جديد؟
أعتقد أن الثقافة وحدها لن تكون كافية، لكنها شديدة الأهمية في ترميم الجروح الوطنية والاجتماعية والحضارية في أي بلد وأي شعب. كثير من الأمم مرّ بما مرّ به العراقيون، ودائما كانت الثقافة تسهم بنصيب كبير بعملية إعادة البناء أو استعادة الثقة بالشخصية الوطنية. ألمانيا واليابان أفضل مثال مع اختلاف السياقات طبعا. لقد لعبت الثقافة في هذين البلدين بعد الحرب الثانية دورا ممتازا واستندت إلى خزينها في المتخيل لإعادة بناء كل شيء ونجحت بمساعدة العوامل الأخرى. فيما يخص العراق، أتصور أنه يحتاج جهدا ثقافيا مضاعفا ليستعيد عافيته لأنّ الدمار كبير وهو لا يعود إلى سنوات الإرهاب وما بعد احتلال العراق فقط بل إلى عقود قبل ذلك. هناك حروب داخلية وخارجية اندلعت وهذه الحروب خلفت ندوبا واسعة وطرحت إشكاليات ومآزق أخلاقية ونفسية ومزّقت النسيج الاجتماعي. بل إنها ضربت عمق البناء التعددي للهوية الوطنية، وكل هذه المآزق تتطلب جهدا فكريا وثقافيا كبيرا برأيي.
حدثنا عن كتابك الأخير “ليلة المعاطف الرئاسية”.. هل المقصود منه التعليق على السياسة في العراق أم الموضوع بعيدا تماما عن السياسة العراقية؟
رواية “ليلة المعاطف الرئاسية” تتحدث عن الحرب والقمع وقتل الإنسان وتدور أحداثها في ليلة واحدة من ليالي عام 2007 لكنها تمتدّ في الزمن إلى ثلاثة عقود من خلال سرد حكاية معسكر غرائبي تم تشييده في الثمانينات لدراسة جثث الجنود المتخاذلين والوصول إلى معادلة تشريحية وجينومية تضمن الوصول إلى حل لمشكلة الخوف البشري. هناك مزاج كابوسي مرعب ألقى بظلّه على أجواء الرواية،حيث القتلى والقتلة يتبادلون الأدوار، جنود معدومون في الحرب العراقية الإيرانية، ومخطوفون يقتلون في أعوام الحرب الطائفية ببغداد، جنرالات مجانين بالدم يدورون بحثا عن ترياق يقضي على الخوف في النفس البشرية. هذه هي أجواء الرواية، هل هي تعليق سياسي على ما جرى ويجري في العراق؟ نعم، وأتصور أن أي عمل يكتب حول ما يجري الآن في العراق من مآس وكوارث وجرائم سيكون، بالتالي، تعليقا سياسيا. ومع هذا، ثمة كثيرون رأوا في الرواية انهماما جماليا طغى على كل شيء آخر.
هل قصّر المثقفون العراقيون تجاه وطنهم؟
أتحفظ على مفردة “التقصير” قد لا يكون الأمر كذلك بقدر ما هو طريقة فهم خاطئة لدور المثقف. في لغة العجائز الطيبين حين يحاولون التبرير لشخص ما يسيء التصرف في أمر معين، يقولون: اتركوه ولا تلوموه، هذه هي قدرته. كان جدي يكرر هذه العبارة دائما. المثقف العراقي ينطبق عليه القول: هذه هي قدرته، هذه هي إمكانياته في التأثير والفعل ومن ينتظر منه أكثر من هذا واهم. المقصود أن المقصر المتعمد التقصير يفترض به أساسا أن يكون قادرا على الفعل ولم يفعل متعمدا، وهذا لا يتوفر في حالة المثقف العراقي. لماذا؟ لأن المثقف عندنا يعيش في مكان منعزل دائما، ويظن أنه “أرفع” شأنا من أن يخوض في الممارسات اليومية الثقافية فيعلّق على مجريات الأحداث ويحاول النزول إلى الشارع للمشاركة والتأثير. لقد كتبت مرة أن هذا المثقف يبدو وكأنه يركب بغلة ويرفض النزول منها والدخول في غمار الناس وتلمس غبار الأحداث. إنه يستعلي على الآخرين ويتصور أن خوضه في اليومي والعابر سوف يهشم صورته كمثقف، أن يكون كوزموبوليتيا فعليه أن “يسمو” على المحلية ولا يقربها. أتحدث عن الغالبية وليس الجميع وإلا فإننا سنظلم عددا ممتازا من المثقفين العضويين الذين نشطوا منذ العام 2003 وقدموا أروع الأفكار والأعمال حول مجتمعهم. بعضهم أثّر تأثيرا بالغا،والبعض الآخر حاول ويحاول التأثير في شتى المجالات. هؤلاء أقلية عظيمة طبعا، فيهم روائيون ومسرحيون ورسامون وباحثون إنسانيون وشعراء، فيهم أكاديمون وطلبة وناشرون ومثلون، بعضهم ولج الإعلام بقوة وأصبح رقما صعبا فيه. نعم، هذه الأقلية موجودة لكن الأغلبية هم الذين نقلنا عنهم الصورة أعلاه، أعني راكبو البغال الذين يأبون النزول للسوق وسماع شكاوى الناس.
ما الذي يجب أن يفعله المثقفون العراقيون لإنقاذ وطنهم؟
أعتقد أن دور المثقفين كبير لإنقاذ بلدهم أو استعادة روحه، يستطيعون مثلا الإجابة عن الأسئلة التي خلفتها عهود القمع والطغيان والطائفية، يستطيعون بناء تصورات جديدة لهوية وطنية جديدة تأخذ بنظر الاعتبار احترام الهويات الفرعية التي تصارعت طوال قرن وانتهت لما انتهت إليه. يستطيع المثقفون أيضا، كلّ بمجاله، إعادة الثقة للروح المهزومة التي تتلبس الشخصية العراقية حاليا.
ومن الطبيعي أن هذه الافتراضيات لا تعني أن المثقفين لم يفعلوا شيئا حتى الآن، كلا، لقد فعلوا أشياء رائعة لكنها عموما لا تكفي وهي تحتاج إضافات كثيرة.
ما جديدك؟
لديّ في الطريق ثلاثة كتب أتمنى أن أدفعها للطبع في أقرب فرصة. الأول “كتاب الأحزان” عن مراثي النساء في العراق منذ أنخيدونا السومرية حتى فدعة الزيرجاوية، الشاعرة العظيمة، وفيه قسم مهم قارنت فيه “النعاوى” العراقية بفن العديد المصري والذي ينتشر في الصعيد. كان الأمر مبهجا جدا أنني توفرت على مجموعة رائعة من الكتب المصرية التي تدرس مئات المراثي الصعيدية، فكانت تلك المراثي مادة جيدة للمقارنة مع مراث عراقية مشابهة.
الكتاب الثاني فولكلوري يدرس التراث الشعبي العراقي من وجهة نظر أنثربولوجية وفيه مباحث لغوية وكنائية وعن الشعراء الشعبيين. هذا المجال لديّ به شغف كبير وقدمت فيه أكثر من كتاب مثل “قصخون الغرام”. أما الكتاب الثالث فهو رواية جديدة هي الثانية لي وتدور حكايتها عن نزوح الجنوبيين إلى العاصمة بغداد وارتباطهم بالتيارات اليسارية.
هل الثقافة قادرة على مواجهة الإرهاب؟
بالتأكيد، لأن الإرهاب نفسه ثقافة ولا تقرع الثقافة إلّا بالثقافة. الدليل على أن الثقافة تستطيع مقارعة الإرهاب هو الحملات الكبرى التي تقوم بها الدول وتصرف عليها ملايين الدولارات،فتصنع برامج تلفزيونية وتنظم مؤتمرات وتكلف باحثين بتأليف كتب، وكل ذلك لمناهضة الفكر الإرهابي التكفيري بفكر يفككه ويدحضه ويهزمه. لكن بعيدا عن هذه الحملات المنظمة والممولة بشكل منهجي، يمكن لأي مثقف مناهضة الإرهاب بقلمه، أو بلوحته التشكيلية، بأغنيته أو فلمه السينمائي. الأمر يسير ولا يتطلب سوى إرادة وفهم صحيح للحياة ومسيرتها. يكفي أن يكتب ولو مقالة صغيرة على صفحته في الفيسبوك يدحض بها فكرة إرهابية أو تكفيرية أو ملغية للآخر فيكون بذلك صوتا مساهما في دحض هذه الموجة المرعبة، الإرهاب.
هل أنت بصدد كتابة كتاب يوثق التاريخ الأسود الذي عاشه العراق؟
ما جرى في العراق في السنوات الأخيرة يحتاج مجلدات لسرده، وأنا شخصيا فكرت قبل سنوات في جمع قصص ضحايا الحرب الطائفية من كل الخنادق وتأملها. هناك مئات وآلاف الحكايات المحزنة والمثيرة للتأمل وهي تحتاج توثيقا. لقد جربت ذلك في بعض كتبي، مثلا في “دفاتر خردة فروش” كتبت فصولا عن المساكين الذين قتلوا في التفجيرات، وفي “خريف المثقف” كتبت فصلا عن معاناة المثقفين بعد العام 2003. ومع هذا، أحلم دائما بأن أواصل سرد الحكاية وتوثيق قصص القتلى والمقاتلين الشجعان الذين تصدوا للإرهاب وهزموه في بعض المفاصل أو الذين حاولوا أن يهزموه. إنها مهمة كبيرة تحتاج فريقا ومؤسسات ولا يمكن لفرد واحد أن يقوم بها مع هذا أحلم بفعل ما أقدر على فعله بهذا الشأن.
لماذا اختفى المثقفون العراقيون عن بلادهم رغم احتياجها لهم؟
الحقيقة أن المثقفين العراقيين أنواع، هناك من غابوا عن بلدهم وهاجروا بحثا عن الأمان، وهؤلاء أنا لا ألومهم مطلقا، الإنسان كائن يهرب من الخطر بالغريزة، وهذا ليس عيبا ولا يستحق اللوم بنظرهم. النوع الآخر هم المثقفون ممن لم يتسن لهم الخروج من العراق فبقوا في بلدهم على مضض، تراهم يلعنون حظهم كل حين لأنهم لم يقدروا على الهرب، وإذا صادفت الواحد منهم تستطيع أن تلمس فورا أن وجوده في العراق قد يكون مضرا لأنه يشيع مزاجا تشاؤميا فيمن حوله. أخيرا، هناك نوع ثالث كان بمستطاعهم الخروج لكنهم لم يخرجوا بل أصروا على البقاء. هؤلاء يؤمنون بشعار جميل لكنه مثير للجدل، فهم يقولون: “بلدك ليس فندقا متى ما ساءت الخدمات فيه غادرته”. منطق يؤمن به الكثيرون ويستسخفه الكثيرون أيضا من باب أن الإنسان حر باختيار البلد الذي يرتئيه ويحقق له الأمان والكرامة والحرية. في كل الأحوال، ما جرى في العراق طبيعي وأعتقد أنه في الطريق للزوال بدليل أن عشرات المثقفين العراقيين المغتربين بدأوا يفكرون جديا بالعودة والحصول على فرص عمل في بلدهم الذي تركوه.

You might also like