محمد السادس … صانع سلام وتنمية

لأن السلام والتنمية ووحدة الأراضي المغربية هي الخيار الأول للملك محمد السادس، عمل طوال السنوات الماضية على جعل قضية الصحراء المغربية أولوية له حتى أثمرت قراراً تاريخياً من مجلس الأمن الدولي الأسبوع الماضي يضع حدا للاستغلال الجزائري لهذا الشأن الداخلي المغربي، ويحد من زعزعة الامن والسلم في تلك المنطقة الحيوية الذي تمارسه الجزائر عبر جبهة البوليساريو منذ عقود.
اعتمد الملك محمد السادس منذ توليه العرش في العام 1999 سياسة الحوار والمصارحة في ما يتعلق بموقف الاتحاد الأفريقي من قضية الصحراء التي استطاعت الجزائر في مرحلة ما تزييف الحقائق واستغلال نفوذها للضغط على الاتحاد، غير ان هذه السياسة فشلت أمام مساعي الملك الشاب القادر على تطويع الأزمات وتحويلها فرصا لمصلحة بلاده.
هذا الجهد ادى الى قرار الاتحاد الافريقي التاريخي بالتراجع عن الاجراءات التي اتخذها ضد المغرب وهو المتغير الابرز في الجهود المبذولة لحل القضية الصحراوية، والمقدمة التي منها انطلقت الجهود المغربية نحو المجتمع الدولي.
الجميع يعرف أن المغرب كانت الحاضنة الاولى للثورة الجزائرية على الاحتلال الفرنسي في القرن الماضي، وكانت مدينة أغادير أشبه بالعاصمة للثوار الجزائريين، لكن بدلا من ان تطور الجزائر بعد التحرير تلك العلاقة نحو التعاون المثمر والفعال مع الجارة الاقرب اليها، عمدت الى التحالف مع حركة انفصالية في الصحراء المغربية، وقدمت السلاح والمال للانفصاليين ما تسبب بحروب راح ضحيتها الالاف من المغاربة.
رغم كل ذلك ابقى الملك محمد السادس على خيار افريقيا المسالمة لإيمانه انها قادرة على أن تكون قوة فاعلة في المجتمع الدولي، منسجما مع تطلعاته الواقعية إلا ان المغرب لا يمكن ان يكون قويا من دون قوة بيئته الطبيعية، خصوصا المحيط الاقرب، اي افريقيا، وهو ما اكده في خطابه امام القمة الأولى لقادة دول ورؤساء حكومات لجنة المناخ والصندوق الأزرق لحوض الكونغو، بقوله :” لقد انخرطت أفريقيا في مسار التحول بشكل لا رجعة فيه. فما لبثت هذه القارة تؤكد ذاتها، وتفرض وجودها، في تطلع دائم إلى المستقبل، بكل ثقة واطمئنان”.
في هذا التوجه يتعالى محمد السادس على الرؤى القاصرة المنحصرة في افتعال المناوشات الذي تمارسه الجزائر مع جارتها الاقرب ويرسخ مبدأ ان المغرب هو بوابة القارة الافريقية.
كان الملك محمد السادس وحتى في أشد الظروف الصحية صعوبة، اي قبل وبعد اجراء العملية الجراحية التي تكللت بالنجاح، يعمل على ديبلوماسية راقية وهادئة لشرح القضية المغربية وهو ما اثمره قرار مجلس الامن الاخير الذي فيه يقطع الطريق على استمرار استنزاف الطاقات المغربية، ويضع اساساً لحل واحدة من اكثر القضايا وضوحا في التدخل بالشؤون الداخلية للدول المجاورة الذي مارسته الجزائر.

أحمد الجارالله