محمد السادس ملك الاستقرار

حين تنصح المؤسسات العالمية الدول الأفريقية باستلهام التجربة المغربية في مجالي التنوع الاقتصادي والتصنيع، فذلك أمر يجب التوقف عنده, لأن بلدا يعتبر ناميا استطاع تحقيق نقلة نوعية خلال عقد من الزمن، وقد حدثت بفضل الحركة الدائمة للملك محمد السادس، أكان في الداخل أو الخارج، وتشجيعه الشركات العالمية على نقل بعض صناعاتها إلى المملكة، لا سيما في قطاع تجميع السيارات، اضافة إلى أخرى تحويلية، وهو ما ساعد على حل مشكلات اقتصادية عدة.
منذ توليه الحكم اتخذ الملك الشاب مسارا مختلفا عن كثير مما درجت عليه الحكومات في بلدان أخرى، لأنه مؤمن أن مواجهة المشكلة الطريق الأسلم لحلها، فمثلا، وضع مسألة العودة إلى الاتحاد الأفريقي هدفا أساسيا، لكن مع الحفاظ على الحقوق والثوابت الوطنية، وعمل على ذلك بجهد كبير حتى عادت المغرب البوابة الذهبية للقارة السمراء، بل استطاع, أيضا, أن يغير الموقف من إحدى أهم القضايا الشائكة في العلاقات المغربية – الأفريقية وهي قضية الصحراء.
في المقابل, عمل على فتح أبواب مملكته أمام السياحة لتكون محطة أساسية على الخريطة العالمية، وتزامن ذلك مع مشاريع تنموية هائلة، خصوصا في مجال الطاقة النظيفة، وأفسح في المجال لزيادة الاستثمارات الأجنبية، فاستقطب الكثير من رؤوس الأموال الخليجية، مقرنا ذلك ببناء شراكة سياسية واقتصادية بين طرفي العالم العربي، وقد نجح في جعل المغرب أقرب إلى دول”مجلس التعاون” الخليجي أكثر من أي وقت مضى.
كل هذا كان من أجل توفير المزيد من فرص العمل لشعبه، وترسيخ الاستقرار الاجتماعي بوصفه الركيزة الأساس للاستقرار الأمني والسياسي، لأن تماسك الجبهة الداخلية يصعّب من اختراقها، فكان من أوائل الملوك والرؤساء الذين استمعوا إلى نبض شعوبهم مع بداية ما سمي “الربيع العربي” فأمر بتسريع ورشة تحديث القوانين والدستور.
هذه النجاحات كانت تثير حنق بعض الدول المجاورة التي لا تريد الخير للمغرب بسبب الاختلاف في الرؤى والمقاربات ومنهجية الحكم القائمة على الديمقراطية الصحيحة في المملكة مقابل ديكتاتورية شبه مطلقة في تلك الدول، والجميع يعرف محاولاتها المستمرة لاختراق الجبهة الداخلية، وبشتى الطرق، إلا أنها كانت تفشل بسبب الخصوصية في العلاقة بين الشعب والحاكم.
تلك الخصوصية أساسها الإيمان المشترك بأن لا أحد فوق المغرب، وخير مثال على ذلك الانتفاضة بوجه المستعمر الفرنسي في خمسينات القرن الماضي عندما أقدمت سلطات الاحتلال على نفي الملك محمد الخامس ولم تتوقف إلا مع نيل الاستقلال وعودة الملك باستقبال شعبي تاريخي، واستمر المغرب على مناصرة الحقوق العربية، فكان أول الداعمين للثورة الجزائرية بوجه الاحتلال، وتحول قاعدة إمداد للثوار، كذلك في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية ولجنة القدس برئاسة الملك الحسن الثاني، رحمه الله.
هذه المواقف التاريخية تجعل المراقب ينظر إلى ما تحاول فعله بعض الدول المجاورة على أنه خدمة للشيطان، وليس للتضامن العربي والمحافظة على حسن الجوار، واستنادا إلى ذلك لا يمكن قراءة ما يجري اليوم في الحسيمة بعيدا عن الحقائق التاريخية التي أشرنا إليها لأن في ذلك ظلما للمغرب، وللحكم، وعدم اعتراف بما تحقق من إنجازات.
منذ بداية الأحداث كانت الأوامر الملكية واضحة بالاستماع إلى مطالب المحتجين, والعمل على تنفيذ ما يتفق مع الدستور والقوانين، وعدم الرضوخ لما يمكن أن يشكل نافذة لتحقيق أحلام الغرباء, حتى لا تتسلل منها الفوضى إلى الداخل، ولا شك أن المغاربة يدركون أن واجبهم الوطني يحتم عليهم التصدي لمحاولات زعزعة استقرارهم.
المغرب أبو الاستقرار والخيرات، والطاقات الخلاقة أيضا، ولذلك فإن المغامرة بهذه الثروة الوطنية عبر انصياع قلة القلة إلى الخارج يعتبر انتحارا لهذه القلة خصوصا إذا كان الأمر يتعلق بما يناقض ثقافة المغرب الراسخة في التاريخ والطبيعة البشرية والسنن الكونية لجهة الطبقية العاقلة, فالله عزّ وجل يقول:” أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَت رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ” (الزخرف 32)، فهذه القاعدة الربانية واجبة على كل المؤمنين وهي عامة ليست محصورة في المغرب إنما في الدنيا كلها.

أحمد عبد العزيز الجارالله