محمد بن سلمان… الصدمة الإيجابية

أحمد عبد العزيز الجارالله

ما أعلنه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في جولته الأميركية من مواقف يمكن اعتباره الصدمة الإيجابية التي يحتاجها العرب للاستيقاظ من نشوة الشعارات وسياسات ردة الفعل التي لم تجلب عليهم غير الدمار والتفرقة، لا سيما أن سبعة عقود من الصراع مع إسرائيل جعلت الظواهر الصوتية والشعارات عقيدة رائجة، وشكلت محفزا للتطرف والإرهاب، ولهذا فإن بقاء العرب أسرى تلك السياسات سيزيد من تخلفهم على المستويات كافة.
في حديثه المطول إلى مجلة”ذا أتلانتيك” الأميركية لخص محمد بن سلمان رؤيته إلى المستقبل، في قراءة واقعية لحركة الأحداث، فالعصر اليوم لم يعد للاحتراب العبثي، إنما هو عصر العلم والتكنولوجيا، ولم يعد مسموحا العيش في كهوف الظلامية القائمة على فكرة السيطرة على العالم.
في الصراع العربي- الإسرائيلي جرب العرب منذ العام 1948 لعبة مواجهة عدوهم بالشعارات، فإلى أين انتهوا؟ احتلت إسرائيل فلسطين كلها، وزادت أزمة اللاجئين تعقيدا حين استُخدموا وقودا لتصفية الحسابات العربية – العربية، فيما كانت هناك دول ترفع شعار تحرير فلسطين في النهار وتسعى ليلا إلى عقد صفقات مع إسرائيل على حساب بقية العرب.
طوال العقود الماضية لم تفلح الشعارات البراقة، ولهذا آن الأوان للاعتراف بالأمر الواقع وهو أن هناك شعبين على أرض فلسطين كل منهم يعترف بحق وجود الآخر، لكن تبقى صياغة الحل النهائي، وهو ما حدده الأمير محمد بن سلمان برؤية واضحة بقوله:”اعتقد أن الفلسطينيين والإسرائيليين لهم الحق في امتلاك أرضهم الخاصة، لكن يجب أن يكون لدينا اتفاق سلام عادل ومُنصف لضمان الاستقرار للجميع ولإقامة علاقات طبيعية بين الشعوب”، وهذا الموقف لا يخرج على الثوابت العربية التي تضمنتها مبادرة السلام المقرة في قمة بيروت العام 2002، والقرارات الدولية ومشاريع الحل القائمة على وجود دولتين التي يجري الحديث عنها حاليا.
إلا أن من يعيق هذه الحركة نحو المستقبل مثلث الشر الذي يرى الإرهاب وسيلة لتنفيذ مشاريعه، أكان النظام الإيراني القائم على فكرة التوسع بالحديد والنار، أو الإخوان المسلمين الذين يسعون إلى حكم العالم الإسلامي بتوهمهم إقامة الخلافة، والجماعات الإرهابية الطفيلية المتغذية على الجهل والتخلف وخدمة مشاريع التوسع والتفتيت، أكان المشروع الفارسي أو رديفه الإسرائيلي أو الاثنين معا.
استنادا إلى هذه الحقيقة, فإن العلاج الوحيد لهذه المعضلة يكون عبر الردع الواعي والعقلاني وعدم الانسياق خلف ردات فعل يسعى إليها مثلث الشر أو إسرائيل، لهذا فإن القرارات المؤلمة التي تتخذ اليوم، والتوجه نحو السلام بجدية الوسيلة الوحيدة لإحباط تلك المشاريع.
وذلك لن يتحقق إلا بالاعتراف بالواقع، كما هي الحال في المسألة السورية حيث باتت الحرب عبثية، خصوصا بعد اعتراف غالبية دول العالم أن إسقاط بشار الأسد ليس ممكنا، وبالتالي ما على النظام إلا دعوة النازحين واللاجئين للعودة إلى ديارهم وإعمار بلدهم، وبعدها يقررون شكل الحكم ومن يحكمهم، ثم العمل بجدية ووطنية لرفع اليد الإيرانية والميليشياوية العراقية واللبنانية والأفغانية وغيرها عن بلدهم.
المقاربة العقلانية للوضع في الإقليم والرؤية المنفتحة التي يعمل على تنفيذها محمد بن سلمان يمكن تسميتها لغة المستقبل التي افتقدها العالم العربي في العقود الماضية ودفعته إلى الويلات والحروب حتى وصلنا إلى هذا الدرك من التخلف.