محمد بن سلمان المنحاز إلى شعبه ضد الفاسدين… لنا كلمة

أحمد عبد العزيز الجارالله

حين تولى لي كوان يو رئاسة وزراء سنغافورة بعد الاستقلال مباشرة في العام 1959 كان أول قول له: “لقد فكرت كثيرا بين ان اكون من الفاسدين وتبقى بلادي على ما هي عليه من فساد وجريمة ورشوة وتخلف وفقر، أو أن انحاز لخدمتها فأجعلها واحدة من أرقى دول العالم، واكسب محبة شعبها بدلا من محبة الفاسدين”.
تذكرت هذه المقولة لصانع نهضة دولة سنغافورة، البالغة مساحتها 600 كيلومتر مربع، عندما بدأت حملة القيادة السعودية على الفساد، عاملة بمبدأ ان”محاربة الفساد تبدأ من الأعلى وليس من الأسفل”، فإذا كانت دولة صغيرة متعددة العرقيات استطاع رئيس حكومتها ان يدفع بها الى مصاف الدول المتقدمة، وينقلها من العالم الثالث الى الاول، وهي التي كان شعبها يعتقد أن من المستحيل اخراجها من دوامة الفقر، فكيف بدولة قارة، وقاطرة في الوقت نفسه، مثل المملكة العربية السعودية لا تُقِْدم على التخلص ممن استغل منصبه أو لقبه أو نسبه ليمارس فسادا وافسادا في المؤسسات وينهب من المال العام؟
هذه الحقيقة ادركها الملك سلمان منذ اللحظات الاولى لتسلمه الحكم حين اصدر اوامره بالبدء في محاربة الفساد، ولأن تنظيف السُلَّم يبدأ من الاعلى جاء رد ولي العهد محمد بن سلمان على سؤال لصحيفة”نيويورك تايمز”: “عما يحدث في المملكة بالقول: “المملكة تعاني كثيرا من الفساد منذ الثمانينات حتى الآن، وأن تقديرات الخبراء تشير إلى أن حوالي 10في المئة من الإنفاق الحكومي يتم إهدارها بسبب الفساد، وأنه على مدار سنوات أطلقت الحكومة أكثر من حرب ضد الفساد إلا أنها فشلت جميعا لأنها كانت تبدأ من أسفل”.
ذلك الخطأ الذي افشل الحملات السابقة تفادته القيادة الحالية، وبدأت من الاعلى، وفي ذلك يثبت الامير الشاب انه قارئ جيد للتاريخ ولتجارب الدول الاخرى،فكما انحاز لي كوان يو إلى الشعب انحاز ايضا الامير الشاب الى شعبه ومستقبل بلاده، متسلحا، كما قال بدعم الاسرة الحاكمة، التي راهن كثير من الواهمين على ان بهذا الزلزال يمكن ان يهتز بيت الحكم،لوجود نسبة لا بأس بها من الامراء الموقوفين، غير ان العارفين بطبيعة هذا البيت لم يخشوا ذلك فهم على يقين انه متماسك وهو بالاساس قائم على الفصل بين الحكم والتجارة، كما اوصى الملك عبدالعزيز أولاده، وهي الوصية التي عمل بها الملك سلمان، منذ ان انخرط في العمل العام، بتوجيهه اولاده ان لا يستغلوا الحكم لمصالحهم الخاصة،وهو وإن خسر بعض الامراء الا أنه كسب الشعب الذي هو من يثبت قواعد هذا البيت.
لا نكشف سرا إذا قلنا ان شعوب الخليج، وليس الشعب السعودي وحده، كانت في المرحلة الماضية خائفة على مستقبل المملكة، لأنها مركز محور الحركة في مجلس التعاون والاقليم، وهو ما دفع الى الاعتقاد ان من الصعب جدا وقف استنزاف المال العام، وحماية حقوق الناس، لكن الاشارة الاولى التي لم تدرك معناها الغالبية وهي اننا امام سعودية جديدة، كانت مع القاء القبض على رجل الاعمال معن الصانع، رغم ذلك بقي هناك من يراهن على نفوذ وألقاب مما يمكن ان تشكل باعتقاده درع حماية له، حتى جاء الرابع من نوفمبر الجاري ليضع الامور في نصابها الصحيح، وتبدأ اللجنة العليا لمكافحة الفساد، عملها فور تشكيلها.
وهنا لا بد من التأكيد ان الدروس المستفادة من هذا الزلزال ليست محصورة في حدود المملكة، بل وصلت الى الاقليم ككل، وبات يقينا ان لا مفر لفاسد في اي دولة خليجية بعد اليوم من المحاسبة.
ولي العهد السعودي عندما تسلم منصبه اكتشف غياب التخطيط العمراني الصحيح والتنفيذ الامين للمشاريع، بدليل ما خلفته سيول جدة الاخيرة، كما وجد ان هناك نحو ملياري متر مربع منهوبة من اراضي الدولة، اضافة الى تلاعب هائل بكلفة المشاريع، وهدر بالحقوق وغيرها مما يمكن ان يؤدي في حال استمراره الى تقويض المملكة من الداخل، فبدأ العمل لمعالجة كل هذا لقناعته ان لا مستقبل مشرق من دون دولة نظيفة من الفساد، وقوية من الداخل لمواجهة ما يتهددها من الخارج.
ورغم كل ذلك كان هناك من يتساءل: هل محمد بن سلمان بلا خطيئة؟
المسألة حقيقة ليست على هذا النحو، اذ فيما شهد الناس خطيئة الاخرين رأوا في المقابل رجلا اصلاحيا، وقيادة اصلاحية، عملت على معالجة الأخطاء المتراكمة، أكان على الصعيد الاجتماعي عبر ازالة كل المعوقات التي كانت تضغط على الحياة الاقتصادية، وتفتح الابواب لاستنزاف قدرات المملكة تحت غطاء العادات والتقاليد والتفسير الخاطىء للدين، فتمنع الفرح البريء وتسيء الى دور المرأة من خلال حرمانها أبسط حقوقها، ما يجعل اي سعي الى الاصلاح الاقتصادي شبه مستحيل خوفا من الاتهامات المعلبة الجاهزة.
يا ولي العهد…وانت تختار كما اختار لي كوان يو ان لا تكون من الفاسدين، فان الفرصة اليوم سانحة لاستكمال مشروع البناء الحديث للدولة، فأمامك كل ادوات حل المشكلات التي انتجتها المرحلة الماضية، هناك الاراضي المستعادة ممن استولوا عليها من دون وجه حق، التي يمكن ان تكون أساسا لحل المشلكة الاسكانية، اضافة الى وضع مخططات عمرانية عصرية للمدن التي توسعت عشوائيا حسب مصالح المتنفذين وليس كما يجب ان تكون، حتى اصبحت كل شوارع مدن المملكة اشبه بدكاكين، وايضا هناك سعودة لم تُدرس كما يجب في ضوء ما يخدم الاقتصاد الوطني، اذ خُصصت وظائف للسعوديين في قطاعات غير منتجة، وأُبقيت المهن التجارية بأيدي غير السعوديين الذين يحولون مداخيلها وارباحها الكبيرة الى بلدانهم فيما المطلوب ان تبقى تلك المبالغ في المملكة من خلال تخصيصها للسعوديين.
إن عملية تنظيف السُلَّم من أعلى تحتاج ايضا الى عمل دؤوب على تصحيح الخلل في القواعد حتى تستطيع المملكة في القرن الواحد والعشرين دخول الدولة الرابعة من باب الاقتصاد والمؤسسات والعلم والمعرفة، وان تستحق ان تكون قاطرة تنموية واقتصادية، كما هي اليوم قاطرة سياسية بالحزم والمواقف الجريئة التي لا تقبل المساومة, وهذا لا يتحقق إلا بترسيخ الاستقرار وتلك هي المهمة الأولى للحاكم الحصيف لإنعاش بلاده عبر طرح المزيد من المشاريع بجرأة والايفاء بالالتزامات للمتعاملين مع مؤسسات الدولة.
لقد حركت فينا المشاعر يا ولي العهد عندما اوضحت عظم المهمة الملقاة على عاتقك، بقولك: “أخشى أنه في يوم وفاتي سأموت دون أن أحقق ما يدور في ذهني. إن الحياة قصيرة جداً، وقد تحدث الكثير من الأمور، كما أنني حريص جداً على مشاهدته بأم عيني، ولهذا السبب أنا في عجلة من أمري”، ولهذا ايضا نحن ندعو المولى عز وجل ان يمدك بالعزيمة والاصرار لتفرح بما انجزت وما ستنجز، ومعك تفرح وتتمتع الاجيال القادمة بثمار هذه النهضة السعودية الكبيرة التي لا شك انها نهضة خليجية وعربية ايضا.