محمد بن سلمان… عيسُ السعودية لن يقتلها الظمأ

سعوديا وخليجيا وعربيا, كان ثمة العديد من القضايا التي تهم شعوب الإقليم بحاجة إلى توضيح من شخصية مسؤولة بحجم ولي ولي العهد، وزير الدفاع السعودي محمد بن سلمان، ولذلك أتى حديثه المطول ليزيل التباسات كانت باعثة للقلق نتيجة تأويلات فبركت في مصانع الدس الإعلامي المشبوهة التي يحركها المتضررون من الاستقرار الاقتصادي والسياسي للمملكة، أو من خلال جبهات الحرب النفسية والإعلامية المفتوحة إيرانيا ضد السعودية، ودول “مجلس التعاون”.
في حديثه العفوي هذا, بدد الأمير محمد بن سلمان قلق السعوديين المشروع حيال الإجراءات المالية والاقتصادية التي اتخذت، وتأثير انخفاض أسعار النفط على مداخيلهم، وبيّن لمواطنيه الخطوات التالية في عملية التحول إلى اقتصاد متنوع الدخل لا يعتمد على النفط بنسبة 90 في المئة، وكذلك حسم الجدل بشأن مسألة اليمن ومساعدة الشرعية على إعادة بسط سلطتها على كامل أراضيه مع الأخذ بعين الاعتبار أرواح المدنيين، وهو ما جعل الحرب تطول، لكن ذلك لم ولن يؤثر على الملاءة المالية للمملكة، لأن كلفتها ليست كما تشيعه التحليلات الخاطئة ومصانع الدس الإعلامي.
هذه الإطلالة التلفزيونية كانت ضرورية، وجاءت في وقتها، فإذا كانت في جانب منها تنسجم مع السائد في العديد من دول العالم، حيث تقدم الإدارات توضيحات يومية إلى الرأي العام، فإنها أيضا تعتبر نقلة نوعية في التعاطي الرسمي السعودي مع الاعلام، فيما كانت سابقا لدى الناس قناعة أن هناك تحرجا من عرض المشكلات والحلول أو مواجهة الخصوم إعلاميا.
هذه الخطوة المهمة دلت أيضا على أن لدى ولي ولي العهد قدرات كبيرة تؤهله لتأدية دوره في إدارة الشأنين الاقتصادي والدفاعي للمملكة، وهو ليس في منصبه هذا لأنه فقط ابن الملك سلمان بن عبدالعزيز، كما يحلو للبعض أن يهمس أحيانا، فالرجل يستند إلى خلفية علمية وثقافية متطورة في إدارة الملفات الشائكة، فمثلا كان واضحا في توصيف حقيقة الدور التخريبي “الإخواني” أكان على الصعيد الداخلي أو الإقليمي، وهو الرجل الثاني في الإدارة السعودية الذي يعيد وضع هذه الجماعة تحت المجهر، ويؤكد على الموقف التاريخي للمملكة في هذا الشأن بعد عمه المغفور له الأمير نايف بن عبدالعزيز الذي قال في حديث إلى”السياسة” في العام 2002 :”إن الإخوان المسلمين أصل البلاء”.
اما في ما يتعلق بالشأن الإيراني, فقد رسم الصورة الواقعية لأصل الخلاف مع نظام الملالي القائم على ستراتيجية توسعية مرتبطة باعتقاد غيبي، لا يمكن في أي حال من الأحوال أن تؤدي إلى نقاط التقاء بين طهران وبقية العواصم العربية والأجنبية، وتحديدا الرياض، موضحا إلى ماذا ينتهي أي تهاون في هذا الأمر, إذ سيجعل السعودية ودول الخليج, لا سمح الله, أشبه بالعراق والصومال ولبنان، وهو ما لا يمكن أن تقبله شعوب دول “مجلس التعاون”.
في هذا الشأن تحدث الوزير الشاب، ليس بلسان السعوديين فقط، بل الخليجيين كافة، وغالبية الشعوب العربية، ولا يشك عاقل في أن تخلي إيران عن مشروعها الإرهابي يكون الخطوة الأولى في طريق الألف ميل لإعادة بناء الثقة بينها وبين دول الإقليم، لكن وفقا للمعطيات الحالية وما تركته مسيرة 38 عاما من عمر نظام الملالي فإن ذلك مستحيل.
لا شك أن هذا الحوار عزز لدى من تابعه صورة القائد الشاب المنفتح على العالم، المدرك جيدا معالم الطريق التي يسير فيها في إدارة الملف الاقتصادي للقاطرة الإقليمية والعربية التي صورت في لحظة من اللحظات أنها:
“كالعيس في البيداء يقتلها الظما
والماء فوق ظهورها محمول”
فجاء من يرد على كل ذلك أن هذه العيس- القاطرة يدرك من يقودها متى يجب أن تشرب وكيف، من دون هدر الماء الذي على ظهرها، ولذلك كان الأمر الملكي بإعادة البدلات والمكافآت بعد تحسن الوضع المالي للمملكة وفقا لما وعد به خادم الحرمين الملك سلمان عندما أصدر الأمر الملكي بوقفها، وكان الأمير محمد بن سلمان واضحا بقوله: “إن الحكومة لن تتردد في العودة للتقشف إذا ما فرضت الظروف ذلك”، ولا شك أن السعوديين سيتفهمون الإجراءات التي تتخذ في هذا الشأن، كما تفهموا سابقتها.

أحمد الجارالله

Print Friendly