محمد بن سلمان يضع إصبعه على الجرح السوري

حين يقول ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، ضمن حديثه إلى مجلة “تايم” الأميركية: “إن الوجود الأميركي في سورية السبيل الوحيد لإيقاف تمدد النفوذ الإيراني في المنطقة، وإن بشار الأسد باق في السلطة، لكن يجب ألا يصبح دمية بيد إيران”، فإنه يضع الإصبع على الجرح.
لا شك أن هذا الموقف العقلاني من الرجل الثاني في المملكة العربية السعودية يقارب الوضع في سورية بواقعية كبيرة، بعد سبع سنوات من حرب لم تؤد إلى نتيجة، بل رسخت وجود النظام السوري، وعززت قوته، وبالتالي فإن استمرار المأساة يعني دفع هذه الدولة العربية إلى المزيد من الارتماء في احضان الإيرانيين والروس الذين استغلوا التخلي العربي عنها وسارعوا لوضع خططهم موضع التنفيذ.
العقلانية التي يتحدث بها الأمير محمد بن سلمان يجب أن تسود بين القادة العرب في معالجة المشكلات التي تعاني منها بعض الدول العربية، لأن القضاء على “داعش” و”حزب الله” والميليشيات المتطرفة يحتاج إلى سحب الذرائع من أيديها كي لا تبقى تستثمرها في جذب المؤيدين، إضافة إلى أن أي فراغ في أي دولة عربية لا بد أن تملأه قوة دخيلة طامعة ما يؤدي إلى كشف بقية الدول.
لهذا قلنا منذ زمن إن إسقاط بشار الأسد لم يكن ممكنا لأنه يتمتع بتأييد من نسبة لا بأس بها من شعبه، إضافة إلى الجيش والأجهزة الأمنية، فيما البعض كان يصور للسوريين أن الأزمة ستنتهي في غضون أسبوعين وعلى أبعد تقدير شهرين أو ثلاثة ويرحل النظام، لكن أثبتت السنوات الماضية أن هؤلاء ساروا على الطريق نفسها التي دفعوا إليها الفلسطينيين في العام 1948 حين قالوا لهم إن نزوحهم لن يستمر أكثر من أسابيع وسيعودون إلى ديارهم، واليوم بعد 70 سنة لم يعد هذا الشعب المشرد، وتحولت مخيمات الشتات أوطانا بديلة، بل إن حق العودة لم يعد شرطا لحل القضية الفلسطينية.
يتحجج بشار الأسد أنه يحارب الجماعات الإرهابية، ومعظم تلك الجماعات مدرج على قوائم الإرهاب الأميركية، ولهذا فإن حجته هذه مقبولة دوليا، لكن في المقابل كان التعنت المتبادل سيد الموقف ما زاد من تفاقم المشكلة، فالدول المؤيدة للمعارضة السورية، رغم إدراكها أن هذا الفريق غير قادر على تغيير المعادلة على الأرض، استمرت في دعمها العسكري حتى لا تعترف بخسارة المعركة، فيما النظام كان يرتمي أكثر في الأحضان الإيرانية والميليشيات التابعة لنظام الملالي، ولاحقا في الأحضان الروسية، حتى لا يعترف هو الآخر بالهزيمة، فكانت النتيجة أن الملايين تشردوا ومئات الآلاف قتلوا، وتدمرت المدن والقرى والبنية التحتية، ولاتزال الحرب مستمرة ولا يلوح في الأفق أن هناك غالبا أو مغلوبا.
هذا الوضع المأسوي لا يمكن أن يُترك لإيران التي تسعى بكل قوة إلى الهيمنة على سورية، وتوطين وجودها فيها، سكانيا وعسكريا واقتصاديا، ولا لموسكو التي كبلت دمشق باتفاقات عسكرية لعشرات الأعوام المقبلة، ولذا فإن الوجود الأميركي يشكل توازنا في مواجهة الطرفين المعاديين، وحتى لا يتحول ذلك الوجود إلى احتلال دائم لا يجب أن تنسحب القوات الأميركية من سورية، في الوقت الذي تفرض فيه الوقائع السعي عربيا إلى استرداد دمشق من الحضن الإيراني، وعدم تحويل نظامها دمية بأيدي ملالي طهران.
نتيجة لهذه الحقيقة, فإن المنتصر اليوم هو العقل، واللغة العقلانية التي يتحدث بها الأمير محمد بن سلمان الذي ينظر إلى مستقبل الإقليم بعين الحقيقة ولا يبني رؤيته على الأوهام، ويرى أن الحرب باتت عبثية، بل ترتد سلبا على العالم العربي.

أحمد الجارالله