محمد سعيد الصحَّاف الفارسي

في ثمانينات القرن الماضي هدد صدام حسين بمحو إسرائيل خلال ساعات بالكيماوي المزدوج، وكان تبجح قبلها بقدرة نظامه على هزيمة اعتى القوى في المنطقة، وخاض حرب الثماني سنوات مع إيران من دون ان يحقق الهدف الاساس منها، وهو إسقاط نظام الملالي، ومنعه من تصدير الثورة، ليكتشف العالم في العام 2003 أن قوة النظام العراقي مجرد ظاهرة صحَّافية (نسبة إلى الصحَّاف وزير اعلامه وقتذاك)، وأن إبادة العلوج على حدود العراق ليست إلا واحداً من الأوهام الشعاراتية التي درج العرب عليها طوال العقود الماضية.
منذ سنوات إلى يومنا هذا يكرر نظام الغرور الطاووسي المشهد الصدَّامي، إذ يتبجح بأسلحته الباليستية، فيما يعتمد في مشروعه على الميليشيات العميلة ذات الانتماء المذهبي، في محاولة لتثبيت مزاعمه انه المدافع عن الشيعة المظلومين في العالم.
تنفذ طهران حرفيا القناعة الإسرائيلية، بأن إضعاف الدول العربية والإسلامية يجب أن يكون بأيدي أهلها، بدلا من خوض الحروب معها، لأن اشغالها بنفسها يمنعها عن التفرغ لمقاتلة إسرائيل، ولهذا وجدت تل أبيب بطهران الأداة الفضلى لتنفيذ ذلك المشروع، ومنذ انطلقت الحركة الانقلابية الخمينية من باريس، كان هناك بين حاشية الرجل، من يوجه المسار باتجاه تحقيق الأهداف الإسرائيلية.
طوال العقود الثلاثة الماضية عملت إسرائيل والولايات المتحدة بهذه القناعة، لكنها بدأت تتغير في العقد الاخير، خصوصا بعد ان وجدت تل ابيب صعوبة في التفلت من معاهدات الصلح مع الاردن ومصر، والعلاقات الديبلوماسية مع قطر وبعض الدول العربية، وبعد أن أيقنت مصانع القرار الإسرائيلي والأميركي، أن الأداة التخريبية الإيرانية لن تبقى تحت السيطرة، بل اصبح لها مشروعها الخاص القائم على التوسع أفقيا عبر بناء ميليشيات في دول الاقليم، وتنفيذ عمليات إرهابية في مختلف انحاء العالم، وعموديا من خلال تغيير الثقافات الدينية للشعوب، وحملات التشييع متوهمة انها تفرض رؤيتها على المسلمين كافة.
اقترن المشروع الايراني باستعراض العضلات الصاروخية والاسلحة، وعسكرة المجتمع، وهو ما لا يمكن ان تقبله إسرائيل، ولا الادارة الاميركية الحالية التي رأت كيف استفادت إيران من مساوئ الاتفاق النووي الذي رعته الادارة السابقة، وتدفق الاموال للانفاق على عصاباتها في الاقليم، والعالم.
صحيح ان هناك فارقا كبيرا بالقوة العسكرية بين إيران والولايات المتحدة، غير ان تفوق الثانية لا يعني عدم استخدام الاولى وسائل ارهابية لا تحتاج إلى صواريخ عابرة للقارات، ويكفي مساعدة طهران لتنظيم القاعدة في تفجيرات 11 سبتمبر 2001، لتكون الجرح الذي لا يمكن نسيانه أميركياً.
بعد انطلاق قطار السلام بين العرب وإسرائيل، أصبح النظام الإيراني عبئاً على مستخدميه، لذلك تغيرت الستراتيجية، وبات من الضروري منع توسعه السرطاني، ولهذا فإن الوضع الداخلي الإيراني حالياً، وما نتج عن إلغاء الاتفاق النووي، أميركياً، وضع النظام على سكة الهاوية، وسيصل إلى دركها الاسفل من خلال ثورة شعبية داخلية، وبمساعدة دولية لملاحقة قادة نظام الملالي.
منذ اليوم وحتى يحين ذاك الموعد سنشهد تهاوي قواعد نظام الملالي في سورية واليمن ولبنان والعراق، وهذا أول المؤشرات على قرب التخلص من عدو جاهل يعيش في عصور الظلام، ويعتقد انه يستطيع حكم مليار وأربعمئة مليون مسلم أو فرض ثقافته الدينية الفارسية عليهم، فيما هو اليوم منبوذ من الشيعة العرب الذين ذاقوا الأمرَّين منه.

أحمد الجارالله