يدعو للثورة على الفساد الذي غزا ميدان الأدب والثقافة

محمود الغيطاني: الجوائز العربية تجامل الجهلاء… والحسناوات يدعو للثورة على الفساد الذي غزا ميدان الأدب والثقافة

القاهرة – محسن حسن:
يعد أحد الكتاب الثائرين دوماً تجاه كل ما يحيط بالبيئة الأدبية، الثقافية، الانسانية من سطحية وابتذال، ثورته على كل ذلك ماثلة في كتاباته، حاضرة في أقواله وأفعاله، له وجهات نظر خاصة حول علاقة المثقف بالناقد والسياسي، كذلك علاقة كليهما بالمبدع الحق والمبدع المزور، له وجهة نظره الخاصة في الجوائز الأدبية على المستوى المصري والعربي.
حول أعماله، رأيه في الجوائز الأدبية، التقت «السياسة»، الكاتب المصري « محمود الغيطاني «، في هذا الحوار.
– ما سر ثورتك النقدية ومعاركك الثقافية التي لا تنتهي؟
* كل ما يدور حولنا من هوان، زيف، مجاملات، شلليات، يعد سقوطا مروعا للثقافة العربية والعقل العربي، الذي بات فارغا، مخجلا، دافعا للتنكر من الانتساب اليه. كل هذه الأسباب تدعو للثورة الحقيقية على كل هذا الفساد الذي غزانا واستكان داخلنا مطمئنا. أن نري من لا علاقة له بالكتابة الحقيقية، يتربع على عرش الأدب باعتباره من أفضل من يكتب بالعربية في الوقت الذي يوجد فيه كتاب حقيقيون لا يلتفت اليهم أحد، لا يعرفهم أو يروج لهم أحد، لعدم وجود مصالح ومنفعة من ورائهم؛ ما أدي إلى تهميشهم بالكامل.
– ما المخرج من هذه الحالة؟
* النقد هو النقد، ليس شلليات ولا مدحاً ونفاقاً، لمجرد أن هذا الكاتب لديه مصلحة ما، أن هذه الكاتبة جميلة لا بد من مغازلتها، حتى لو كانت كتاباتها تافهة، بائسة، ركيكة. الكثيرون ممن يطلقون على أنفسهم نقادا، يجاملون من أجل المصالح المادية، الدعوات، المناصب، و.. و.. غيرهم يجاملون من أجل جمال الكاتبات. الواقع يؤكد لنا أن جمال الكاتبات مكانه الطبيعي هو الفراش وليس افساد النقد والكتابة، بل الثقافة بالكامل، من ثم تضليل القارئ الذي قد يعتمد على ما يكتبه الناقد ويثق فيه. نحن في وسط ثقافي تحول إلى « دعارة مقننة» باسم الثقافة.
– ما تأثير «زيف النقد» والمجاملات على الواقع الثقافي؟
* وجود أسماء لا تستحق قيمة الورق الذي تكتب عليه، أمست هذه الأسماء مفروضة علينا، باعتبارها من أهم الأسماء العربية في عالم الأدب والثقافة؛ من ثم ترجمت أعمالها إلى العديد من اللغات، باعتبارها أفضل ما نمتلكه، باتت تتصدر المشهد الثقافي، كتاباتهم في كل المطبوعات العربية، في حين أنهم أجهل من أن يكتبوا كلمة واحدة، حينما يتناولهم أحد بالنقد الحقيقي، من دون مجاملات، يجأرون وجوقتهم من الفاسدين، بأن الناقد حاقد وحاسد وغير ذلك، كيف يكون الناقد هكذا، في حين أنه، من خلال نقده، يوضح مواطن القوة والضعف.
– ألهذا أصدرت كتابك «زيف النقد ونقد الزيف»؟
* الكتاب كان بمثابة لطمة قوية على وجوه الجميع. لا أنكر هذه اللطمة؛ فالرغبة في التغيير في حاجة إلى الصدمة المباغتة والحقيقية، التغيير يحتاج إلى الانفجار المفاجئ والثورة على كل ما هو فاسد وغير حقيقي. كل هذا الخراب الذي نراه حولنا، هذه الجوائز التي يتم منحها من خلال العديد من الصفقات والاتفاقات، بل والرشاوي، كان لابد من كشفها، فضحها، بيان تهافت وركاكة هذه الأعمال التي تُمنح جوائز من دون وجه حق.

جائزة البوكر
– لماذا انتقدت جائزة البوكر العربية؟
* لأن مصداقيتها باتت منذ فترة طويلة محل شك، هي جائزة مشبوهة فيما تمنحه من جوائز باختياراتها البائسة لأعمال ضعيفة وركيكة لا تستحق، بل وتعمل على تصعيد هذه الأعمال مقابل تجاهل أعمال أخرى مهمة في المشهد الروائي العربي. هل بات من يقول الحق من دون وجود أية مصالح هو الشاذ، غير الطبيعي،، الحاسد، الحاقد، الراغب في الصعود على أكتاف الآخرين، هل يُعقل أن يصعد أحدهم على أكتاف الفاشلين أساسا؟!
– هل تنحاز لكتابة الرواية على حساب القصة القصيرة؟
* منذ أيام صدرت مجموعتي القصصية الجديدة «اللامنتمي»، هكذا صار لدي مجموعتان قصصيتان وروايتان، أي أن الجنسين الأدبيين تساويا في الانتاج. أنا كاتب، مجرد كاتب من دون تصنيف، أي لا يعنيني أن اصنف كروائي، قاص، ناقد، في مجال الأدب أو السينما. عملية الكتابة في حد ذاتها تستهويني، أشعر معها بالمتعة في أي فرع من هذه المجالات، ما دامت الكتابة تمنحني المتعة، ما دمت أحاول الوصول إلى الكمال المهووس به في كتاباتي؛ فالتصنيف لا يهم مطلقا.
– ما الذي مثله فوزك بجائزة ساويرس عن روايتك «كادرات بصرية»؟
* هي بالنسبة لي كانت مجرد مبلغ من المال، أسعدني أن أناله فقط؛ أن ينال الكاتب المال بالتأكيد شيء مبهج؛ سيعيش منه، ينفقه على رغباته الشخصية، أرى جائزة ساويرس ما زالت، حتى اليوم، من أنزه الجوائز العربية، بعيدة عن النفاق والمصالح؛ حتى ان من يحصل عليها يكون فخورا بها أكثر من فخره بنيله جائزة الدولة، لكنها في النهاية مجرد حفنة من المال ستنفق سريعا، انفاقها سيسبب لي الكثير من السعادة. الجوائز لا يمكن لها أن تصنع كاتبا، كما أنها ليست اعترافا بأنني صرت كاتبا مهما؛ أنا كاتب مهم قبل الجائزة أو بعدها.
– هل يتعارض النقد السينمائي مع الكتابة الروائية؟
* بالطبع لا، أفادتني السينما بأن استخدمت كل تقنيات الفيلم السينمائي، مطوعا لها لخدمة العمل الروائي، يتجلي في مجموعة «اللامنتمي» ورواية «كادرات بصرية». السينما لا يمكن أن تكون ضد الرواية، كما أن السينما والرواية تتبادلان العديد من الخبرات منذ بدايتيهما، في تحويل الأعمال الروائية إلى السينما، أو الاستفادة من تقنيات السينما في الأعمال الروائية.
– إلى أي حد تؤثر تقنيات النقد السينمائي لديك على كتاباتك الروائية؟
* تقنيات السينما تتجلي في كل ما كتبته من أعمال، ربما تظهر في نقدي الأدبي أيضا، أي أن السينما أفادتني في كل المجالات؛ هي السحر الذي أنطلق منه إلى العالم. أن أرى الكلمات في شكل صور أفضل من أن أراها في صورة حروف ومفردات. أحرص كثيرا على التقطيع فيما كتبته من أعمال ابداعية، هذا التقطيع في جوهره تقنية المونتاج السينمائي، كذلك الفلاش باك، التداخل، غيره من التقنيات. حتى التوثيق الذي تحرص عليه السينما يوجد في معظم ما كتبته، السينما في نهاية الأمر حياة كاملة متكاملة من الممكن أن ينطلق منها العالم بأثره.

التجريب
– ما رأيك في دعاة التجريب؟
* الفن بمعناه الواسع والمطلق، اذا لم يستند إلى التجريب لا أستسيغ أن يُطلق عليه فنا؛ كيف أكون فنانا وأنا لم أسع إلى التجريب في فني، الفن مغامرة في حاجة إلى التحليق، التجريب، الجنون، اذا لم أتحل بالجنون سأظل نمطيا نموذجيا، لا جديد فيما أقدمه. التجريب هو الذي أدي إلى تطور الفنون، الكتابية منها والبصرية، هو الذي وصل بالرواية، السينما، النقد، إلى ما هم عليه الآن، اذا لم يتحل الكاتب بالجنون، الذي يحمل في معناه التجريب، فأنه لا علاقة له بالفن، سيظل في قاع هذا العالم، لن يتفرد ولا يتميز.
– هل تنوي كتابة السيرة الذاتية؟
* كتابات السيرة الذاتية من أهم ما يمكن أن يطلع عليه القارئ، لكن من الذي يجرؤ على كتابة سيرته الذاتية بشكل صادق في منطقتنا العربية. أن يكتب ما كان كما هو، فيه الكثير من المسؤولية والجرأة التي تحتاج إلى كاتب حقيقي ومتفرد؛ لأن في السيرة الذاتية لن يكشف نفسه فقط، بل سيكشف كل من مروا في طريقه يوما ما. سيعري الجميع، بكل ما فيهم من ايجابيات وسلبيات وهو منهم. هل هناك من يجرؤ على ذلك، لا أنكر انني كثيرا ما أفكر في كتابة سيرتي الذاتية، كما لا أنكر اني سأفعلها وأكتبها كما حدثت تماما، من دون تجميل أو حذف، أنا حريص على تعرية كل ما يدور حولي وتعرية نفسي قبل تعرية الآخرين، لم لا أفعل ذلك. أظن أنها ستظهر حينما يحين وقتها وأجد انني لا بد من تأمل كل ما فات وتوثيقه بحيادية وصدق.
المثقف والسياسي
– كيف ترى علاقة المثقف بالسياسي في عالمنا العربي؟
* المثقف لا علاقة له بالسياسي. مفهوم المثقف العضوي، كما قدمه أنطونيو غرامشي، الذي يعني «صاحب المشروع الثقافي الذي يتمثل في الاصلاح الثقافي والأخلاقي» كان يخدم أيديولوجيته في المقام الأول، أي أنه يخدم التيار السياسي والفكري الذي انطلق منه غرامشي. السياسة مُعطلة للابداع والثقافة، صحيح أن الثقافة قادرة على التغيير الجذري الحقيقي باعتبارها القوة الناعمة، كما نقول، لكنها قادرة على هذا التغيير من داخلها وليس انطلاقا من السياسة. يجب أن نعطي كتابا فقط للجماهير كي تقرأ وتفهم، حينما تفهم سيكون التغيير والاصلاح هو هدفها الأساسي في حياتها، أما أن نطلب التغيير من أناس لا علاقة لهم بالثقافة أو الفهم والتفكير، فلن تسعى إلى أي شكل من أشكال الاصلاح، ستظل مستكينة راضية بكل ما يقع عليها من ظلم وطغيان من الأنظمة السياسية.
– هل يستطيع المثقف تغيير المجتمع؟
* قد يتناول الكاتب السياسة من خلال عمله الفني، من خلال هذا التناول يستطيع بالفعل التغيير الحقيقي، لكن أن يمارس المثقف السياسة بشكل مباشر فهذا ما لا يتفق مع الكتابة والثقافة. المثقف له دوره والسياسي له دوره أيضا.
– ما الثابت والمتغير في تقنيات الكتابة والحكي لديك؟
* كثير من التغيرات وبعض من الثوابت؛ سمة الحياة هي التغيير، كلما اكتسبت المزيد من الخبرات والثقافات، كلما تغيرت وجهة نظري اتجاه العالم وتجاه نفسي. لا أنكر أن استفادتي من السينما والمشهدية التي أحرص عليها كانتا من الثوابت التي لم تتغير في كتابتي حتى اليوم، ستظل كذلك فيما أظن، لكنني تغيرت في كتاباتي بأن صرت أكثر تشككا فيما أكتبه من ابداع، غير راض عن الكثير ما أكتبه، كما صرت أحرص على الحذف أكثر من الاضافة، حذفت 3000 كلمة من رواية «كائن العزلة» في طبعتها الجديدة التي ستصدر قريبا، اكتسبت الكثير من الخوف والقلق من عملية الكتابة رغم انني أكتب كثيرا، أظل أراجع ما كتبته وأقرأه مرة بعد أخرى، تخوفا من أن يكون هناك نقصا ما يشوب ما كتبته، أقبل على الكتابة في كل مرة بقلق أكبر ما كنت عليه في بدايتي.
– ما جديدك؟
* لدي الكثير من الأعمال التي انتهيت منها وتنتظر النشر، عشرة أعمال ما بين النقد السينمائي والنقد الأدبي، أما الرواية فما زلت غير راض عنها، لست متعجلا في عملية النشر وأتركها لحينها.