محمود المليجي… هجر الرياضة بلكمة قاضية والنشاز أبعده عن الغناء ترك التعليم من أجل التمثيل وحوّل الفشل إلى نجاح

0 13

الشرير والشرس والطيب 1-4

عزيز عيد عنَّفه وحرمه من العمل حتى لا يصيبه الغرور
يوسف وهبي اعتبره منافسه الأوحد وميَّزه في فرقة «رمسيس»
نشأته في القاهرة القديمة مكَّنته من استيعاب الروح الشعبية بكل أبعادها
قدَّم كوميديا راقية مع إسماعيل ياسين والنابلسي وفؤاد المهندس

القاهرة – علاء الدين يوسف:
“المغربلين” أحد أهم الأحياء الشعبية في القاهرة القديمة وشريان حيوي يربط بين القاهرة “الخديوية” بأحيائها الراقية الحديثة وقاهرة المعز الإسلامية بكل أحيائها الشعبية وملامحها التاريخية، شريان يفوح منه عبق التاريخ وروائح التراث والمظاهر الشعبية، التي تعزف سيمفونية متناغمة لتقدم في نهاية المطاف “جملة مفيدة” تستطيع بعدها أن تتحدث بسهولة عن مكنون أي شخصية نشأت في هكذا أجواء، وعلى رأسها عملاق السينما العربية محمود المليجي، الذي ملأ بريق عينيه حياتنا الفنية نورا وإشعاعا وحكايات لا تنتهي مع الفشل والمعاناة والحرمان والإصرار والنجاح والتألق والنجومية.
حي “المغربلين” ليس مجرد منطقة سكنية، بل هو عالم متعدد المشاهد والمعالم والثقافات، في ربوعه وعلى أطرافه نشأ عديد من نجوم ونجمات السينما، وفي أجوائه أيضا دارت روايات نجيب محفوظ، خصوصا في المرحلة الواقعية، حيث أبناء البلد الشعبيين أصحاب الخصال والعادات والتقاليد الخاصة وكذلك الفتوات الذين ألهبوا خيال أديب “نوبل” نجيب محفوظ، فكتب عنهم كثيرا في رائعته “الحرافيش”، ووسط هذه الأجواء – بين العراقة التاريخية ومظاهر الحداثة – ولد ونشأ وترعرع النجم محمود المليجي، ومن الطبيعي أن تلعب المشاهد الشعبية المتنوعة دورا مهما في تكوينه واستيعابه للروح المصرية الشعبية والتاريخية بكل أبعادها ومن بينها بالقطع نوازع ودوافع الشر بمختلف أشكاله ودرجاته وأنواعه، وقد برع فيها جميعا نجمنا الكبير.

شخصية متفردة
الكتابة عن المليجي الفنان والإنسان محيرة، ليس فقط لأننا نكتب أو نتناول سيرة فنان عملاق تربع على عرش الشاشة بشخصية سينمائية متفردة نحو نصف القرن من عمر الزمان.
لم يكن مثقفا رفيع المستوى ولا واسع الاطلاع لظروف ترتبط ببداية حياته القاسية وهجرانه للتعليم مبكرا من أجل الفن، ولكن نحن كذلك أمام ظاهرة محيرة، فعندما يكون الموضوع سيرة ذاتية لأي فنان، فعلى الفور يكون السؤال عن تركته الفنية، في كم عملاً سينمائياً ودرامياً تلفزيونياً ومسرحياً شارك هذا النجم عبر تاريخه؟ ولكن بالتأكيد الأمر بالنسبة لمحمود المليجي مختلف، حيث السؤال المنطقي: كم عدد الأفلام التي لم يشارك فيها المليجي منذ انطلاق السينما المصرية الحديثة حتى يوم رحيله؟! التساؤل لا يبدو مزحة فيوم رحيله عام 1983 كان عدد الأعمال التي شارك فيها “أمير الشر” يقترب من ثمانمائة عمل سينمائي ومسرحي ودرامي، وأفلامه على وجه التحديد تمثل نسبة ليست قليلة من مجمل إنتاج السينما المصرية في نصف قرن، وهي ظاهرة فريدة ربما لم يحققها سوى المليجي على الصعيد العربي وربما العالمي أيضا!
هذه الظاهرة لم تنبع من فراغ، وإنما ثمرة رحلة طويلة من الكفاح والمعاناة والمثابرة، انطلقت من رحم الفشل الذريع إلى قمة النجاح والتألق، ولتكن البداية في عام 1910 بحي المغربلين، حيث ولد ونـشأ المليجي في بيـئة شعبـية، حتى عندما انـتقل مـع عائلـته إلـى حـي الحلـمية الشهير، وبعـدما حصل على الشـهادة الابـتدائـية التحق بالمدرسة الخديوية ليكمل فيها تعليمه الثانوي، وهي مدرسة مهمة ارتبطت باسم مؤسسها الخديوي إسماعيل حاكم مصر في العقد الثامن من القرن التاسع عشر .

لا تصلح للتمثيل
وفي السنة الرابعة من المرحلة الثانوية جاء المسرحي القدير عزيز عيـد ليدربهم، جذبته شخصيته الفذة وروعة إخراجه وتطور أفكاره، فراح يقـف بجانبه كالطفل الذي يحب دائما أن يقلد أباه.. وقد أُعجب به عزيز عيد وهو يمثل، ومـع ذلك لم يعطه دورا يمثله، كـان يقول له دائمـا “أنت لا تصلح ممثلا.. اذهب وابحث عن شـغلـة ثانية غير التمثيل” وفي كـل مـرة يقول له فيـها هذه العبـارة كان يشعر كأن خنجرا غـرس في صـدره، وكثـيرا ما تـوارى بجـوار شجـرة عجـوز بفـناء المـدرسة ليترك لعينيه عنان الـدموع، إلى أن جـاء إليه ذات يـوم صـديق قـال له: إن عزيز عـيد يحـترمـك ويتنبأ لك بمستقبل مرموق في التمثيل، فصرخ فيه من قال لك ذلك؟ أجاب إنه عزيز عيد نفسه… وعرف فيما بعد أن هذا الفنـان الكبـير كان يقول له هـذه الكلـمات حتى لا يصيبه الغرور، وكان درسا لا ينسى من العملاق عزيز عيد.
في أحـد عـروض فرقـة المـدرسـة المـسرحية، كـان من بين الحاضرين الفنانة فاطمة رشدي”صاحبة لقب سارة برنار الشرق آنذاك” التي أرسلت تهنئ المليجي بعد انتهاء العرض على أدائه الجيد لدور “ميكلوبين” في مسرحية “الذهب”، ودعته لزيارتها في مسرحها، حيث عرضت عليه العـمل في فرقتها براتب قدره أربعة جنيهات شهريا، عنـدها تـرك المليـجي المـدرسـة لأنـه لــم يستطع التوفيق بينها وبين عمله في المسرح، الذي كان يسيطر على كل وجدانه، فقدم مع فاطمة رشدي مسرحية “667 زيتون” الكوميــديــة..كمـا مثل دور “زياد” في مسرحية “مجنون ليلى”..وقدم معها أعمالا مسرحية لفتت الأنظار لموهبته الفذة مثل “الزوجة العذراء›› و”علي بك الكبير›› و”يوليوس قيصر›› مما أغرى فاطمة رشدي بأن تسند إليه أول بطولة سينمائية في حياته في فيلم “الزواج – 1932” الذي أنتجته وأخرجته فاطمة رشدي نفسها، وقام هو بدور الفتى الأول أمامها، لكنها كادت تكون البطولة الأخيرة في حياته وسببت له صدمة كبيرة وذكرته بفشله وكادت تطيح به خارج عالم السينما والتمثيل والفن عموما، فقد سقط الفيلم سقوطاً مدوياً وخسر خسراناً مبيناً، واسودت الدنيا في وجهه وبعـدما حلت فرقة فاطمة رشدي، عمل المليجي ملقنا في فرقة يوسف وهبي المسرحية “رمسيس”، ثم اختاره المخرج إبراهيم لاما لأداء دور “ورد” غريم “قيس” في فيلم سيـنمائي من إخـراجـه في عام 1939، وكان قد وقف في عام 1936 أمام “أم كلثوم” في فيلمها الأول “وداد”..في أول ظهور سينمائي حقيقي ومؤثر، إلا أن دوره في فيلم “قيس وليلى” هو بداية أدوار الشر الحقيقية بالنسبة له.

تغيير مسار
ولد المليجي لأسرة ميسورة الحال محبة للفن، والده حسين المليجي كان يعمل بتجارة الخيول العربية الأصيلة والسيارات ومن وجهاء الحي وكان محبا للفن، خصوصا الموسيقى والغناء، وتربطه علاقات وصداقات حميمة مع مشاهير المطربين في ذلك الوقت وكان يأخذ ابنه المليجي الصغير لكل حفلاتهم وجلساتهم، وكان هذا سببا في حبه للغناء وجعله وهو مازال طفلا يفكر في مستقبل يكون فيه مطربا كالذين هام بهم والده، غير أن الوالد المحب للغناء رفض غناء ولده وحينما استمع إلى صوته نهره وعنفه، ربما لم يجد فيه إلا حشرجات لا تبشر بمطرب من أي نوع، وربما خشي عليه نظرة الاحتقار التي كان يعانيها العاملون بالطرب والغناء حينها.
اتجاهه الفني الأول كان بالفعل للغناء – على غرار النجم الكوميدي الأشهر اسماعيل ياسين – ولم يقلع عنه إلا بعدما استبعده الموسيقار محمد عبدالوهاب من فريق الأناشيد بمدرسة الخديوية الثانوية لصوته النشاز، اقتنع المليجي الصغير بنصيحة والده ووجهة نظر عبدالوهاب وربما خاف من ويلاتها، فحول على الفور مسار حياته نهائيا، وبدلا من الموسيقى والغناء والطرب قرر تعلم الملاكمة، وبالفعل التحق بأحد المراكز الرياضية، لكن مع أول مواجهة حقيقية سقط أمام ملاكم قوي ونال لكمة قاضية قرر على اثرها وتحت آلامها هجر الملاكمة والرياضة كلها، ليواجه مرحلة جديدة من الفشل والمعاناة.
عندما علم والده المحافظ بعمله “مشخصاتي” ثار عليه وطرده من البيت واضطر المليجي إلى تأجير غرفة فوق سطح أحد بيوت شارع عماد الدين، وكان نتيجة ذلك إهماله الدراسة ولم يتبق على انهاء الدراسة الثانوية وحصوله على “البكالوريا” سوى عام واحد فقط، ولكنه لم يأبه بذلك واستمر في طريقه، وذات يوم وبعدما سدت في وجهه كل المنافذ الفنية وجد المليجي نفسه في الشارع بدون عمل، اضطر إلى الاشتراك مع صديقيه الفنانين فؤاد شفيق وبشارة واكيم لتكوين فرقة تقدم فصلا فكاهيا في أحد النوادي الليلية نظير 30 قرشا في الليلة، ولكنها لم ترق لجمهور السكارى ففشلت وأغلقت أبوابها، ووسط هذه المشاهد المأساوية كانت هناك بعض المواقف، التي لها تأثير كبير في حياة المليجي الخاصة، حيث توفي والده, ومثل الكثير من كبار التجار الذين يعيشون في بحبوحة العيش ولا يكترثون بالزمن ومفاجأته لم يترك الأب مالا كثيرا للأم، فعانت الأسرة من ضائقة مالية شديدة، خصوصا أن دخل الابن محمود من الفن والتمثيل بالكاد يكفيه، وما هي الا فترة قليلة، حتى توفيت الأم وكان هذا قمة الدراما الانسانية في حياة المليجي، الذي كان متعلقا بأمه بشدة وخصوصا بعد قسوة أبيه عليه بسبب حبه للفن وكانت أمه سندا وعونا كبيرا له خلال تلك الفترة.
أثناء ذلك كان يتهيأ يوسف وهبي للقيام برحلة فنية في البلاد العربية مع فرقته “رمسيس المسرحية”، فعرض على المليجي العمل معه ملقنا واضطرته ظروفه المادية البائسة إلى قبول هذا العمل والسفر مع الفرقة وهناك حصل بالمصادفة على أحد الأدوار الثانوية التي أهلته ليحقق نجاحا مع الفرقة في أدوار أكثر أهمية، وسرعان ما تماسك ووثق بنفسه وملامحه ووجد لها مجالا أوسع في السينما من خلال أدوار الشر والمكر والدهاء، والحقيقة أن صناع السينما ساهموا في ذلك بقدر كبير منذ نجاحه في دور الشرير في فيلم “قيس وليلى›› للمخرج بدر لاما، ولم يجد فيه المخرجون وصناع السينما عموما وربما المشاهدون أنفسهم إلا الشخصية الشريرة، والملامح التقليدية للشخص المكروه.
ترك المليجي بصماته في المسرح أيضا منذ أن اشتغل مع فاطمة رشدي، حيث التحق فيما بعد بفرقة إسماعيل ياسين وبعدها عمل مع فرقة تحيَّـة كـاريـوكـا وفـرقـة المـسرح الجـديـد، وبـذلـك قـدم أكـثر من عـشرين مـسرحية، أهـمـها أدواره في مسرحيات: “يوليوس قيصر”، حـدث ذات يوم، الـولادة، ودور “أبوالـذهب” في مـسرحية أحمد شوقي “علي بك الكبير”، دخل المليجي مجال الإنتاج الـسـينمائي مساهـمة منه في رفـع مـستوى الانتـاج الفني ومحـاربة مـوجة الافـلام الـساذجة، فـقدم مجموعة من الأفلام، منها على سبيل المثال: الملاك الأبيض، الأم القاتلة، سوق الـسلاح، المقامر.. وبذلك قدم الكثير من الوجوه الجديدة للسينما، فهو أول من قدم فريد شـوقي، محسن سرحان، حسن يوسف، وغيرهم.
لقد جسد محمود المليجي مختلف الأدوار، وتقمص أكثر من شخصية: الـلص، المجرم، القوي، العاشق، رجل المباحـث، البوليس، الباشا، الكهـل، الفـلاح، الطبيب، المحامي.. السياسي الفاسد، عميل النظام في “الله معنا” كما أدى أيضا أدوارا كوميدية رائعة راقية على رأسها مع النابلسي وعبد الحليم حافظ في “يوم من عمري”، ومع فؤاد المهندس وشويكار في “الراجل ده حيجنني”، ومع صديق عمره اسماعيل ياسين في “أمسك حرامي”، كـان إنسانا مع زملائه الفنانين، وأبا روحيا لهم، ورمزا للعـطاء والبـذل والصمود أمام كـل تيـارات الفن الرخيص وظل رمزا لفنان احترم نفسه فاحترمه جمهوره، كما برع في دور الطيب المغلوب على أمره، وظهر بنفس العينين المتسعتين ولكن المنكسرتين والمسدلتين على أبلغ معاني الحب والود والحنان.

ألف وجه
لم يلعب المليجي دورا مثل الآخر من حيث الشكل والمضمون مستفيدا في ذلك من تكوينه البدني وملامحه الفطرية الفريدة التي منحته “كاريزما” سينمائية وكذلك لقدرته على التكيف مع الشخصية محور الموضوع، ومن ثم ليس مستغربا أن يكون المليجي بحق صاحب الألف وجه، فقد أحسن تغيير شكله مرات عديدة وأغلب الظن أنه كان أفضل من أستغل الشعر المستعار “الباروكة” وتوظيفه في أدواره المتنوعة, وعن صلعته المبكرة الشهيرة يقول المليجي: أنا أصلع من سن الشباب والمعروف أن الصلع من الوراثة أو من الدفتريا, لكن ولا شخص في عائلتي أصلع ولا أنا أصبت بالدفتريا، لكن الحكاية انني سهرت وأنا طالب مع أصحابي ليلة حتى الصباح وفي الشارع، اشترينا جمبري وقمنا به كله، ورجعت البيت أعض في الفراش من وجع البطن حتى كسرت أسناني وكنت اضرب راسي في الحائط وما أحد كان هناك يسعفني لأني كنت أعيش وحدي ورأيت شعري بعيني وهو يسقط على الوسادة من التسمم الشديد، لأن الجمبري كان فاسدا ومات منا ثلاثة، وفي المستشفى قالوا لي إن الليمون البنزهير هو الذي أنقذني‏، ومن يومها وأنا أصلع ولهذا أخجل جدا من نزول البحر لأن سيقاني مثل راسي ليس فيها ولا شعرة!
عن الكثير من أدواره التي قدمها في السينما المصرية، وحياته الشخصية والفنية، تحدث المليجي، خلال حوار نادر مع الإذاعة المصرية في برنامج “ساعة زمان” مع الإذاعية آمال العمدة، كشف فيه عن بعض أسراره الشخصية قائلا إن “صاحب الملامح الحادة، الذى أصبح شرير السينما الأول لم يعرف الكثيرون عنه أنه كان يخاف من خياله، فكان يخشى الظلام، ولم يكن في بدايته يحب أن يصنف كشرير، إلا أنه رضخ لهذا بعدما وجد أن المنتجين يرونه كذلك، واستطاع أن يكون الأول بين أشرار السينما المصرية”. ويقول: “يوسف وهبي كان يكن لي تقديرا لا يوصف ويعتبرني الامتداد الطبيعي له ويشركني في معظم أفلامه مثل فيلم برلنتي، حيث لعبت دور الصحافي الذي يبحث عن الفضائح ويشوه سمعة الناس بنشر أسرار خافية من حياتهم الشخصية، كذلك أشركني في غرام وانتقام مع اسمهان‏، حيث لعبت دور ابن عم زوجها القتيل أنور وجدي، الذي تمكن من كشف القاتل وهو يوسف وهبي ذاته‏.. كما ربطت بيني وبين فريد شوقي علاقة طيبة، هو وحش الشاشة وأنا شرير الشاشة وظهرنا في عدة أفلام، فلم يطغ أحدنا علي الآخر”.
وعن المليجي تقول الكاتبة سناء البيسي إنه محمود المليجي عضو مجلس الشورى صديق عبدالناصر والسادات، زميل مصطفى وعلي أمين وفتحي رضوان ويوسف حلمي وكامل الشناوي وعبدالحميد يونس وعبدالرزاق صدقي في الثانوية، من جلس علي طاولة واحدة مع أحمد حسين زعيم حزب “مصر الفتاة” ليدفعهما حب التمثيل لعزيزة أمير للظهور في فيلمها الأول الصامت ليلى ويشتركان معا في أدوار الكومبارس بفرقة رمسيس، محمود المليجي حكاية مصرية لكفاح فنان لم يصل إلى مكانته ببطاقة توصية أو بقرار وزير وإنما من الأسفل وأول السلم، ‏من تحت الصفر‏، ‏من دور كومبارس لا ينطق بكلمة، من عشرة قروش إلى ‏750‏ فيلما و‏74‏ مسرحية، وصل من تواضعه رغم عظمته، من بساطته رغم مجده‏، محمود المليجي أحد نجوم فرقة الإخوان المسلمين المسرحية التي قدمت أول عروضها “جميل بثينة” من تأليف عبدالرحمن البنا شقيق حسن البنا من إخراج لجنة تشجيع التمثيل في وزارة المعارف عام ‏1934. أستاذ فن التمثيل العفوي الطبيعي، وصاحب الملامح الحادة الصارمة المعبرة عن أبلغ معاني المكر والدهاء والأداء الأخاذ, الذي يضاهي عمالقة التمثيل في العالم أجمع، وفضلا عن أدوار الشر التي اشتهر بها كان المليجي ممثلا طيعا، “جوكر”، كما يقولون، أدى أو تقمص إلى حد الذوبان شخصيات متباينة أكثرها صعب ومعقد، وبرع في دور الشرير المتسلط وطالما ظهر على مشاهديه بعينين قاسيتين وجسد متحفز للانقضاض كالفهد، محمود المليجي تلميذ “عزيزة الفحلة” فتوة المغربلين حاملة الشومة صاحبة اللسان الطويل وسرعة الخاطر والحذاء الرجالي, التي تنطح برأسها وتصيب بركبتها وتصرع بكفها ليشجعها زوجها معلم المقهى وهو يسمع صفعاتها لأحدهم فيعالج الفحم فوق التبغ على عمامة الشيشة هاتفا‏:‏ “عظيم..اديله يا عزوز‏”..‏.وهي مشاهد عنف وفتونة تكررت كثيرا في أعمال أشهر شرير في السينما المصرية, وربما العالمية!
(يتبع)

محمود المليجي

You might also like