“مدرسة فرانكفورت” فلسفة نقدية لتحرير البشرية من ظلم الرأسمالية حاربت الاشتراكية السوفياتية واعتبرتها عدواً لكل ما هو إنساني

0 521

حسين عبدالقادر المؤيد* :

تتكلس مضامين المدارس الفكرية، نتيجة ما يطرأ عليها من جمود، اما ان يكون بسبب التعصب والتبعية العمياء لتلكم المضامين، او بسبب توقف او فتور الحراك العلمي للمدرسة الفكرية لا سيما حين يغيب في اجيالها المتعاقبة وجود عقليات ضخمة قادرة على ايجاد هذا الحراك وحين تتكلس مضامين اية مدرسة، يصبح من الضروري ايجاد او احياء النقد والمراجعة حتى لو اخذ الجانب النقدي بعدا تحرريا من الجمود.
ان المدرسة التي تتمتع بالثقة بمضمونها الفكري، لا تجد حرجا في التحرر من الحمود، بل ترحب بالنقد والمراجعة والحراك الفكري الذي يجعل من هذه المدرسة حية وفاعلة ايجابيا ما أحوجنا في العالم العربي والاسلامي الى تحريك المياه الراكدة في ثقافتنا والتحرر من الجمود ومعالجة التكلس الفكري.

إحياء النقد
في سنة 1923 تأسس في فرانكفورت معهد علمي بعنوان “معهد العلوم الاجتماعية» وكان الهدف من انشاء هذا المعهد، بواسطة ثلة من الماركسيين، احياء الجانب النقدي في الفلسفة الماركسية بعد ان اصابها الجمود وتحولت الى قوالب في عقول المفكرين والمثقفين الماركسيين فارادت هذه الثلة تفعيل النقد الذي يكسر الجمود الذي ادى الى تكلس مضامين الفلسفة الماركسية والتعامل معها كنصوص مقدسة، وان يكون النقد تحرريا بادر المعهد الى بحث شروط ثورة البروليتاريا بغية تحفيزها، لكن تسنم النازية للسلطة في المانيا ومطاردة كادر المعهد، ادى الى تشتت مفكريه في البلدان، غير ان هوركهامر وادورنو وماركيز وهم من كبار مفكري المعهد، اقاموا في الولايات المتحدة الاميركية وواصلوا ابحاثهم التي انتهت الى الاحباط من الثورة بل من النهضة ومن العقلانية الحديثة، ودون هوركهايمر وادورنو هذه الافكار التشاؤمية في مؤلف مشترك بينهما طبع باللغة الاللمانية بعنوان “جدلية التنوير» وترجم للفرنسية لكن بعنوان “جدلية العقلنة».
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، اعيدت الحياة لمعهد العلوم الاجتماعية وعاد هوركهايمر وادورنو وآخرون من الجيل الاول من اقطاب المعهد من الولايات المتحدة الأميركية الى المانيا واستأنفوا العمل العلمي في المعهد.
اصبح للخط الفكري والفلسفي الذي اخذه معهد العلوم الاجتماعية بعد استئناف نشاطه، تميز خاص ارتبط بالجانب النقدي الفلسفي بحيث صار يعد مدرسة فلسفية وفكرية اطلق عليها اسم مدرسة فرانكفورت قبل أول من اطلق عليها هذا الاسم هم خصومها الفكريون، وان ادورنو وهو احد اقطاب هذه المدرسة تبني هذه التسمية او اعتبرها فخرا يعكس زميله هوركهايمر رائد هذه المدرسة الذي لم ترق له التسمية، لكن هذه التسمية شقت طريقها وصارت علما لهذا التيار الفكري والفلسفي الذي سيطر على الفكر الغربي وطبع أوقع الاثر في المجتمعات الغربية.
صدرت كتب كثيرة في الغرب للتعريف بمدرسة فرانكفورت ودراسة الاتجاه الفكري والفلسفي لهذه المدرسة، وتسليط الضوء على فكر اقطابها ومنظريها، وقد ترجم بعض هذه الكتب للغة العربية، منها كتاب “مدرسة فرانكفورت» تأليف بول – لوران اسون ترجمة سعاد حرب وكتاب “مدرسة فرانكفورت» تأليف توم بوموتورد ترجمة سعد هجرس.
وصدرت كتب مهمة باللغة العربية تناولت بالبحث مدرسة فرانكفورت منها كتاب “يوغن هابراماس ومدرسة فرانكفورت» لحسن مصدق، وكتاب رهان الحداثة وما بعد الحداثة لعصام عبدالله وكتاب “اشكالية التواصل في الفلسفة الغربية الحديثة» لعمر مهيبل.
وينبغي عند محاولة التعرف على مدرسة فرانكفورت الالتفات الى ان بعض الباحثين العرب عند شرحه لهذه المدرسة لم يوفق في بيان المضمون الحقيقي لفكر هذه المدرسة لانه عرض فهمه هو ولم يكن فهمه صحيحا او دقيقا ولاسيما ان اقطاب هذه المدرسة هم من كبار مفكري الفلسفة الغربية الحديثة وتتسم افكارهم بالعمق، ولهم اسلوب ولغة في التعبير عنها تختلف عن الطريقة المألوف لدى المفكرين في التعبير عن افكارهم ونظرياتهم وهذا التفاوت في اسلوب ولغة التعبير يكاد يكون السمة العامة للبيان بين الغربيين والعرب.

حقيقة فكرية واجتماعية
من أجل تكوين تصور واضح وصحيح عن مدرسة فرانكفورت يجب ان نفهم الخلفية الفكرية والاجتماعية التي اوجدت هذه المدرسة بما تنطوي عليه من فلسفة نقدية تميزت بها وسأحاول بيان هذه الخلفية بايجاز يتناسب وطبيعة المقال، تاركا التفاصيل البحثية الى دراسة موسعة عسى ان تتاح لي فرصة لانجازها.
كان لعصر النهضة في اوروبا اكبر الاثر في تطورها الفكري، والعلمي والاجتماعي، وفي التحولات الكبرى التي شهدتها اوروبا فيما بعد في مختلف الاصعدة.
لاشك في ان النهضة الاوروبية التي قادت الى الثورة الصناعية في أوروبا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر والتي تعتبر نقلة نوعية تاريخية لم تقتصر على أوروبا وحدها وانما شملت العالم بقاراته.
لقد أوجدت الثورة الصناعية في اوروبا تحولات اساسية في شتى الاصعدة، فعلى الصعيد الاقتصادي سيطرت الرأسمالية على المجتمع الأوروبي وبرز التفاوت الطبقي في المجتمع، بوضوح حيث طبقة برجوازية تمتلك وسائل الانتاج والثروة وتتحكم بمفاصل الاقتصاد وطبقة متوسطة من صغار التجار ومن موظفي الدولة، وطبقة عاملة ليس عندها رصيد صوى عملها، وقد استغلت في ظل الرأسمالة الحاكمة في ذلك الوقت استغلالا فاحشا وعانت من الفقر وضيق العيش والحرمان من الحقوق والامتيازات.
كان هناك وفرة في الانتاج وسوء في توزيع الثروة، ومجتمع محكوم بمعادلات الرأسمالية وتوازناتها وكان لكل ذلك افرازات مفاهيمية سواء من زاوية الطبقة البرجوازية او طبقة العمل فنجد طغيان البراغماتية من جهة والنظرة التشاؤمية للحياة من جهة اخرى وقد انعكس ذلك على الادب والفن والسلوك في المجتمع الاوروبي.
وعلى الصعيد العلمي، تحركت عجلة العلم بشكل غير مسوبق قاد الى تقدم علمي طبعت منجزاته مظاهر الحياة الاوروبية، وبرزت العلوم التجريبية وحازت قصب السبق في الميدان المعرفي. وعلى الصعيد الفكري، حصل تحول فلسفي باتجاه التركيز على العقل البشري والعلم والتجربة كاساس في المعرفة اليشرية، وبرزت الفلسفة الوضعية رائدة الميدان الفكري، واعتمد التفسير العلمي للكون وللحياة على حساب الميتافيزيقيا وجرى تفسير الظواهر المجتمعية على حذو تفسير الظواهر الطبيعية بقوانيه ومعادلاته.
لقد كان التنوير الذي تبلور في القرن الثامن عشر واخذ بالتآلق في القرن التاسع عشر بحيث اطلق على هذين القرنين مصطلح عصر التنوير اثر مهم لعضر النهضة في اوروبا وقد كان قوام التنوير، اعتماد العقل والعلم اساس لتأسيس نظام الحياة، ويجب الانتباه الى ان المراد بالعقل الذي اعتمده التنوير، ليس العقل المجرد التأملي الذي قامت عليه الفلسفة اليونانية القديمة وانما المراد به العقلانية والتفكير الذي يستمد من ظواهر الطبيعة، والتفكير؟ ولهذا كانت المناداة في عصر التنوير لاعتماد العقل، تهدف الى التحرر من سلطة الدين والخرافة والتقاليد القديمة وكل فكر لا عقلاني اي لا يستمد من ظواهر الطبيعة ولا يستند الحس والتجربة.
نستطيع القول بأن مفاهيم التنوير وقاعدته الفلسفية هي التي كانت تسيطر على الساحة الفكرية والثقافية في المجتمع الاوروبي بكل طبقاته وكان غير ذلك هو الاستثناء.
وحين انطلقت الماركسية كرد فعل على سلبيات الرأسمالية ومعاناة الطبقة العاملة لم تخرج فكريا عن مفاهيم عصر التنوير، وانما اعتمدتها وعملت على تعميقها وترسيخها وقد تجلى ذلك بوضوح في التصور الكوني الذي قدمته الماركسية كتفسير للوجود.
يمكن القول بان كارل ماركس كان في عصره ملهم اليسا واباه وكانت فلسفته تشكل المضمون الفكري لليسار الذي انطلق في الشارع الاوروبي بقوة في القرن التاسع عشر.
لم تكن النظرية الماركسية في الاقتصاد السياسي وفي علم الاجتماع وكفلسفة للتاريخ مجرد مدرسة فكرية نظرية، وانما كانت فلسفة حركية حركت الشارع والهبت الثورات وكانت تنبؤاتها تمنح الناس حلما لا يقل عن خيالات افلاطون في المدينة الفاضلة، ولذلك تحولت الماركسية في نفوس اتباعها الى عقيدة مقدسة لا يسمح بالجدل ضدها.

أحداث وتطورات
كان الربع الاخير من القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين مليئين بالاحداث والتطورات في اوروبا ولاسيما على الصعيد السياسي الذي شهد سياسيا صعود اليسار وعلى الاخص اليسار الاشتراكي واليسار الشيوعي فعلاوة على النشاط ذي البعد السياسي للنقابات العمالية، تأسست احزاب اشتراكية وشيوعية كان لها دورها الفاعل في الحياة السياسية في اوروبا ثم حصلت الحرب العالمية الأولى وكان لها مأس وتداعيات وانتصرت الثورة البلشفية في روسيا 1917 وتأسس حكم يساري يقوم على الفكر الماركسي بانت اخفاقاته في عهد لينين نفسه، ودخلت روسيا بعده منذ تولي ستالين للسلطة في 1924 نفق الديكتاتورية الباطشة، وفي المانيا صعدت النازية وتمكن فيما بعد الحزب القومي الاشتراكي الالماني بزعامة هتلر من تسلم السلطة، وبرزت الفاشية وتمكن من استلام السلطة في ايطاليا بزعامة موسوليني سنة 1922.
كل تلك الاحداث والتطورات، ادت الى هزات فكرية واجتماعية في اليسار الاوروبي المنقسم فكريا وسياسيا الامر الذي جعله يمر بمخاضات مهمة ومؤثرة.
في فرانكفورت تحقق لمجموعة من الشباب المثقفين الماركسيين الذين تفتقت عبقريتهم عن ملاحظات نقدية على الماركسية والذين كانوا يتطلعون الى تأسيس معهد فكري للتعبير عن ارائهم النقدية الماركسية من داخل اطارها ذلك التطلع اذ صدر في سنة 1923 قرار وزاري بتأسيس معهد العلوم الاجتماعية الذي صار مركزا للدراسات والنشاط العلمي لهذه المجموعة التي بدأ يتبلور خطها الفكري والفلسفي شيئا فشيئا.
كان فريق الاساتذة والباحثون الذين اصبح معهد العلوم الاجتماعية في فرانكفورت مركزا لعملهم الفكري مؤمنا بالماركسية ومتماهيا مع التنظير الماركسي وملتزما بالاشتراكية القائمة على المادية التاريخية وكان بطبيعة الحال ناقدا للنظام الرأسمالي وللرأسمالية.
بيد ان هذا الفريق وامام مجموعة من الوقائع ادرك قصور الماركسية التقليدية في فهم المجتمع وتفسير التحولات الاجتماعية وآلية تغيير المجتمع فأمن هذا الفريق بضرورية تجاوز الماركسية التقليدية ولزوم تجديدها لتلائم متطلبات العصر.
لقد رصد فريق معهد العلوم الاجتماعية وقائع عدة:
1- عدم اندلاع الثورة العمالية العالمية المرتقبة طبقا للنظرية الماركسية.
2- فشل التجربة السوفياتية، وتحول الايديولوجيا في عصر ستالين الى وسيلة للاضطهاد.
3- انكشاف خطأ النبوءة الماركسية، فالثورة لم تنطلق في المانيا ولم تنجح الماركسية في بلدان الصناعة الكبرى.
4- بروز وصعود التطرف الذي تمثل بالفاشية والنازية.
5- تحول العقلانية الغربية الى ايديولوجيا شمولية ذات نزعة وثوقية وتحول التوجه التنويري الى سلطة فكرية قمعية تقر الواقع بلسان انه ليس هناك افضل مما هو كائن فلا نبحث عما ينبغي ان يكون.
كل هذه الوقائع وما شاكلها افضت بفريق معهد العلوم الاجتماعية الى الانخراط في خط فكري نقدي، ينظر الى التنوير والعقلانية والرأسمالية الماركسية بعين ناقدة ويحاول ان يخرج بمعطيات جديدة.

مشروع كانط
على الصعيد الفلسفي، رأى فريق معهد العلوم الاجتماعية الذي اطلق عليه اصطلاح (مدرسة فرانكفورت) ان المشروع النقدي الذي تبناه الفيلسوف عمانوئيل كانط وهو آخر فلاسفة عصر التنوير والذي تجسد في مؤلفاته نقد العقل الخاص ونقد العقل العملي ونقد ملكة الحكم، يستحق المتابعة كمشروع نقدي، لكن هذا الفريق رأي ضرورة تجاوز افكار كانط التي ساهمت في تأسيس العقلانية الحديثة والتي نقدتها مدرسة فرانكفورت كما سوف يأتي فالعقل عند كانط لا يعرف سوى ظواهر الطبيعة ولا ينفذ الى حقائق الاشياء في ذواتها الامر الذي يجعل الفلسفة الوضعية هي الاساس وبالتالي اعتماد العقل الادائي البراغماتي الذي يتلخص هدفه في انتاج النجاح والوصول اليه وهذا ما رفضته مدرسة فرانكفورت التي امنت بوجود العقل الموضوعي واعتبرته عقلا اصيلا فعالا، وقررت ان اي انكار للعقل الموضوعي الاصيل ستكون له نتائج تدميرية للمجتمع.
وكذلك نقدت مدرسة فرانكفورت فلسفة هيغل للتاريخ، ورأت ان هذه الفلسفة مثالية ولم تعد قادرة على تحليل المجتمعات الرأسمالية الحديثة ومعالجة التحديات التي تواجهها المجتمعات الغربية، لذا رأت مدرسة فرانكفورت صورة جعل الفلسفة اكثر علمية بايجاد ربط وثيق بين الفلسفة والعلوم التجريبية.
وجدت مدرسة فرانكفورت ان عصر التنوير انتج ثقافة هاجمت التأمل الفلسفي التجريدي واعتمدت العقل البراغماتي واختزلت الانسان ببعد واحد، وان هذه العقلانية تحولت الى ايديولوجيا شمولية، واعتبرت مدرسة فرانكفورت ان ثقافة عصر التنوير هي السبب في سيطرة النظام الرأسمالي الذي اوجد الطبقية واستغل الطبقة العاملة وظلمها وهي السبب في بروز الفاشية والنازية فكل ذلك نتاج العقل الاداتي البراغماتي الذي اودى بالعقل المعاصر الى السقوط في اللاعق ومن هنا جاءت مهاجمة مدرسة فرانكفورت لا للتنوير نفسه كما فهمه البعض خطأ، وانما لثقافة التنوير التي انتجها عصر التنوير في ذلك الوقت وسيطرت على الفكر في المجتمع الاوروبي.
اذن نخلص الى ان مدرسة فرانكفورت ميزت بين العقل الاداتي البراغماتي والعقل الموضوعي الاصيل واعطت للعقل الموضوعي الاصيل قيمة معرفية ودعت الى ان يلعب دوره الاجتماعي الذي يؤكد البعد الانساني ويحرر الانسان من اختزاله ببعد واحد والنظر اليه كأي وجود مادي بحت خاضع لقوانين الطبيعة ومعادلات المادية التاريخية هذا من جهة ومن جهة اخرى رفضت الفلسفة المثالية والتنظيرية التي لا ترتبط بالعلم الحديث ومعطياته ودعت الى تخليص الفلسفة من طابعها التجريدي لترتبط بالعلوم لاسيما العلوم الانسانية والاجتماعية كعلم الانثروبولوجيا وعلم الاقتصاد وعلم الاجتماع وعلم النفس وانزال الفلسفة الى الحياة الواقعية.
واما الرأسمالية فقد كان موقف مدرسة فرانكفورت منها واضحا وصارما ولم يكن وليد الخط الفكري والفلسفي الي تبلور بعد تأسيس معهد العلوم الاجتماعية في فرانكفورت وانما كان قائما على الفكر الماركسي الذي تبناه الباحثون في المعهد قبل تأسيس المعهد بوصفهم ماركسين.
بيد ان هؤلاء المفكرين وبعد تبلور مدرستهم الفلسفية النقدية تنالوا الرأسمالية في اطار الفكر النقدي لهذه المدرسة بعد ان كان نقدهم للرأسمالية في اطار الماركسية التقليدية قبل تبلور مدرستهم النقدية ومن هنا فانهم نقدوا المجتمع الصناعي وما نجم عنه من تناقضات لاسيما في الثقافة البرجوازية واعترضوا بقوة عن الحداثة الرأسمالية التي تنتظر الى كل المواضيع كأشياء.
ونجد ان مدرسة فرانكفورت هذه المرة في اطار فكرها الفلسفي النقدي لم تميز بين الرأسمالية والاشتراكية بمعيار الاسود والابيض وانما اعتبرت كلا من الرأسمالية والاشتراكية السوفياتية مظهرين مختلفين لمجتمع العقل الاداتي الذي يقصي كل ما هو انساني.
ويجدر بنا ان نقف عند نقد مدرسة فرانكفورت للماركسية فقد كان نقدا جوهريا وفي العمق.
لقد رفضت مدرسة فرانكفورت النظرية الماركسية التي ترى ثقفة المجتمع نتيجة تحددها البنية الاقتصادية للمجتمع واعترضت هذه المدرسة على نظرية ماركس التي تربط اي معرفة بالمصالح الاجتماعية كالمصالح الطبقية ومصالح الربح والمصالح المرتبطة بوسائل الانتاج وقررت مدرسة فرانكفورت ان هذه النظرية لا تصلح لتفسير الانتقال من الوعي الايديولوجي الى الوعي الموضوعي ورأت ان العلم والفلسفة يشتركان في وجود مصالح مجردة منها الحقيقة التي هي معيار مقبول للانسان ايا كانت طبقته واستشهدت مدرسة فرانكفورت لذلك بان ماركس وانجلز ينتميان للطبقة البرجوازية فإذا كانت نظريتهم معرفة موضوعية فسيدل ذلك على ان الوعي لا يتحدد دائما بالمصلحة الطبقية.
اعتقد أن ما ذهبت اليه مدرسة فرانكفورت في نقدها للماركسية لاسيما مع الاخذ بنظر الاعتبار ما تقدم في بيان الفكر الفلسفي لمدرسة فرانكفورت وما وصلت اليه من قصور الماركسية التقليدية في فهم التحولات الاجتماعية وآلية التغيير هو اقرب الى الانقلاب على الماركسية من كونة تجديدا او اصلاحا لها.
لقد احدثت مدرسة فرانكفورت انشقاقا في اليسار الاوروبي المثقف الذي كان تبني الماركسية التقليدية.

قامات فكرية
رغم ان مدرسة فرانكفورت مدينة للجيل الاول من اقطابها الذين رسموا خطها الفلسفي والفكر النقدي الذي عرفت به هذه المدرسة وطبعت بصمتها على الفكر الغربي في العصر الحديث الا ان هذه المدرسة حظيت في الجيل الثاني والثالث من فلاسفتها بمفكرين كبار كان لهم دورهم في ان تبقى هذه المدرسة حية متجددة متألقة رغم مما تعرضت له من انتقادات خصومها الفكريين.
لقد برزت في الجيل الاول قامت فكرية يتقدمها ماكس هوركهايمر (1895-1973) والذي يعتبر رائد هذه المدرسة وقد كتب رؤيته الفلسفية النقدية في عدة مؤلفات بين الفلسفة والعلوم الاجتماعية، خسوف العقل، جدلية التنوير، وقد اشترك معه في الكتاب الاخير المفكر ادورنو.
وفي الجيل الاول لمدرسة فرانكفورت برز ايضا تيودور ادورنو (1903-1969) من مؤلفاته: صناعة الثقافة، الشخصية السلطوية، جدلية التنوير، وقد كتبه بالاشتراك مع هوركهايمر كما تقدم.
وكذلك برز في الجيل الاول من مفكري هذه المدرسة هربرت ماركوزه (1898-1979) كتب مؤلفات جد مهمة في تنظير الفكر الفلسفي النقدي لمدرسة فرانكفور: العقل والثورة الحضارة والرغبة الماركسية السوفيتية، الانسان ذو البعد الواحد.
لقد رسم الجيل الاول لمدرسة فرانكفورت الخط الفلسفي والفكري لهذه المدرسة وعلى يديه تشكلت معالم هذه المدرسة المتميزة التي كان لها تلامذتها البارزون الذين بهم استمر العطاء الفكري لهذه المدرسة والوجود المؤثر لها وهؤلاء هم الجيل الثاني لمدرسة فرانكفورت.
لا يمكن حين يذكر الجيل الثاني لمدرسة فرانكفورت الا ويتبادر اسم يورغم هابرماس (1929) صاحب نظرية الفعل التواصلي والتي تعتبر من اهم وابرز نظريات علم الاجتماع المعاصر.
اما الجيل الثالث من مفكري فرانكفورت فهم مجموع ليست قليلة من ابرزهم اكسل هونت (1949) تلميد هابرماس لقد وصفت بعض الكتابات المتخصصة بهذا الشأن اكسل هونث بأنه يلعب دورا فاعلا في الفكر الفلسفي الغربي الحديث على الصعيد الفلسفي والسياسي والاجتماعي وبالمناسبة فان اكسل هونت صار مديرا لمعهد العلوم الاجتماعية المركز الذي انطلقت منه مدرسة فرانكفورت واحتضنتها الى الان.

*مفكر وسياسي عراقي

You might also like