مدمنو الأبراج الفلكية فاشلون يبحثون عن سعادة وهمية البطالة والفراغ والجهل أبرز أسباب هذه الظاهرة

0 50

القاهرة – علا نجيب:

تعلق الناس بالأبراج الفلكية، ورغبتهم في معرفة ما سيكون عليهم حالهم في المستقبل، وصل حد الهوس بهذه الأبراج والإيمان بها، والاعتماد عليها في كل ما يتعلق بجوانب الحياة المختلفة، خصوصا عند الفتيات اللاتي يربطن تعاملاتهن وعلاقاتهن الشخصية بالأبراج، وما زاد من استفحال الظاهرة التي يصفها المتخصصون بـ “المرضية” توسعها في سائل الإعلام المختلفة لكسب مزيد من المشاهدة، مؤكدين أن ذلك تسبب في زيادة عدد المرضى النفسيين من كل الطبقات الاجتماعية.
عن مدى انتشار هذه الظاهرة، والأسباب الاجتماعية والنفسية، حكم الإيمان بها، وكيفية الحد منها ومقاومتها كان لـ “السياسة” هذا التحقيق.

الحضارة البابلية هي أصل نشأة هذا العلم، حيث كان أصحاب هذه الحضارة، فقد كان البابليون مولعين بملاحظة ومتابعة الأجرام السماوية، وتأثيرها على ضوء القمر وخفوته، ثم انتقل ذلك إلى الحضارة الإغريقية فترجموا كتب هذا العلم واقتبسوا منها، كما برع المصريون القدماء في هذا العلم، وأنشأوا أبراجا فلكية فرعونية وأسموها نسبة إلى آلهتهم، التي وصل عددها إلى اثني عشر برجا أشهرها “حورس، سيت، هابي”، وأغلبها كان مرتبطا بالنيل الذي هو رمز حياتهم وعطائهم، وكانت براعتهم هذه لخبرتهم بالشمس وتقلباتها، وبعد التطور التاريخي تنوعت التقسيمات ما بين الأبراج الصينية والغربية التي يؤمن بها الجميع رغم التطور التكنولوجي والثورات. وتتعدد أسباب إقبال البعض على متابعة الأبراج الفلكية وإدمانها، منها لانتقاص الشعور بالأمان والمحاولات الكثيرة للبحث عنه، بالاعتماد على قراءة الحظ والأبراج، والتي تمهد للفرد الاختباء ورائها وتعليق أخطائه على شماعتها، أو بسبب انعدام الثقة بالنفس وعدم الاعتداد بقدرتهم على تحقيق أهدافهم، فضلا عن ازدياد أعداد من يطلقون على أنفسهم اسم “خبراء الأبراج الفلكية”، الذين يتبارون للظهور على شاشات الفضائيات، بغرض الشهرة والانتشار، والأخطر أن بعضهم يصدر كتيبات تحمل توقعاتهم للعام الجديد ويطرحونها بالأسواق.
آراء صادمة
يقول محمود، 30 سنة: ارتبطت بفتاة كانت زميلتي في الدراسة، ونشأت بيننا علاقة وطيدة إلى أن قررنا الارتباط الرسمي، وتقدمت لخطبتها، وكنت أعيش حلما جميلا معها، لكن هذا الحلم تحول إلى كابوس، عندما علمت بهوس خطيبتي بمتابعة صفحات الأبراج والفلك، وقراءة الطالع بصفة يومية، وتطبيقها على كل أمور حياتها، إلى أن جاء اليوم الذي تحدثت فيه إلى من يطلق على نفسه “خبير أبراج” وقال لها إن برجها لا يتوافق مع برجي، حيث إن برجها “الثور”، الذي يتميز بعناده وشخصيته القوية ما يجعله صعب التوافق مع برجي “الجوزاء” المتردد ذي الوجه الثنائي وأن هذه العلاقة مهددة بالفشل، ولأنها مؤمنة بهذا العلم إلى حد الإدمان المرضي، قررت الانفصال.
تقول سها راغب، 21 سنة: منذ صغري وأنا متابعة لأشهر البرامج الخاصة بالأبراج الفلكية، والتي أقتنع جداً بتنبؤاتها التي تعرضها، وكنت أطبقها على حياتي الشخصية، حتى وصلت بي الحال إلى أنني لا أستطيع الخروج من المنزل إلا بعد أن أعرف طالعي، وأصبحت هوايتي الوحيدة. ولحبي الشديد ولشغفي لهذا العلم، التحقت بإحدى أكاديميات علم الفلك التي انتشرت في الأعوام الأخيرة بشكل كبير، للتعمق أكثر في أسراره وخباياه، إلى أن أصبحت لدي الخبرة التي مكنتني من قراء الطالع لصديقاتي اللاتي اقتنعن بأهمية علم الأبراج وقراءة الحظ، في تسيير أمورهن ورسم حياتهن.
تقول سندس الزيني، 23عاما: علم الأبراج الفلكية يساهم بشكل كبير في معرفة صفات الشخصية ومفاتيحها، ما يسهل من نجاح الارتباط بالشخص أو فشله. والى حد كبير استخدم هذا العلم في حياتي الشخصية، وعندما يتقدم أحدهم لخطبتي، يكون سؤالي الأول له: برجك إيه؟ قبل الدخول في أي أسئلة أخرى أو تفاصيل شخصية، فمعرفة البرج وصفاته تمكنني من الحكم على شخصيته، كونه متوافقا مع برجي أم لا، وبالطبع فإن جزءا كبيرا من السمات الشخصية التي تحددها الأبراج يكون صحيحاً، وبعيداً عن الدجل والخرافات، فهو علم معترف به ويقوم على أساس حركة الشمس والقمر ومكان الكواكب وتأثيرها على الشخص.
تتفق معها، نسمة ناصر، طالبة جامعية، حيث تشير إلى أن الأبراج هي المحدد الأول للصفات الشخصية، فمولود فصل الصيف يختلف عن الشتاء، فالأول ذو طبيعة نارية متأججة لتحكم الشمس فيه، أما الثاني فهو مرتبط بالقمر ذي الصفات المتغيرة والرأي غير الثابت، ما يجعل شريكه محتارا في طريقة ارضائه وكسب إعجابه وقد يؤدي هذا لفشل العلاقة بعد وقت قصير. كما أن توقعات العام التي تنشرها المجلات والفضائيات عادة ما تكون صائبة بنسبة كبيرة، وهذا ما يفسر زيارات الكثير من النجوم والمشاهير لكبار الفلكيين لإيمانهم بقدرتهم على قراءة الطالع، طبقا لحسابات النجوم والفلك فهو علم معترف به.
علم قديم
تقول هالة عمر، خبيرة الأبراج: علم الفلك والأبراج قائم بذاته معتمد على الرصد وليس الخرافات أو الدجل مثلما يروج البعض، فحركة الكواكب تؤثر على صفات الأبراج، وقد بدأت دراسة علم الفلك منذ عصور قديمة ثم طوره الصينيون وبات علماً مشهوراً، وقد أيقنوا أن الطاقة السلبية والايجابية تؤثر على صفات المولود في شهور بعينها، كما تحكمها حسابات الطول والعرض، ولكل فرد بيوت عدة في الأبراج كالحب والمال والأسرة، ويتابع الخبير الكوكب المسؤول عن الشخصية ورصد التغيرات التي سوف تطرأ.
تضيف: من المعروف أن مسؤولي البيت الأبيض بأميركا يؤمنون بهذا العلم، ولديهم عالم فلك يخمن التغيرات المستقبلية ويضعونها في الاعتبار، فضلاً عن حضوره بعض اجتماعات الحكومة ومناقشة أعضائها، إلا أنه من المؤسف أن تشهد الفضائيات فوضى في استضافة منجمين يطلقون على أنفسهم خبراء فلك، ما يثير الشبهات حول مدى حقيقة العلم أم لا.
البحث الماروني
يشير أحمد شاهين، الخبير الفلكي إلى أن علم الفلك ليس حديثا عند المصريين، أو دخيلا على ثقافتهم، فهم من أوائل الشعوب التي اهتمت بدراسة النجوم والعلوم الفلكية، فيما سمي بعد ذلك بـ “البحث الماروني” أو التنجيم، وهناك الكثير من البرديات التي تحلل السماء بنجومها وكواكبها، وتأثير ذلك على حركة الحياة والموت الأبدي، وليس هذا فحسب، بل وضعوا خريطة للأبراج خاصة بهم مكونة من عشرة أبراج أسموها بأسماء آلهتهم الشهيرة آنـــذاك، ثم نقلوا ذلك العلم الى الإغريق والفرس الذين احتلوا مصر.
معرفة المجهول
يؤكد الدكتور محمد راغب، أستاذ علم النفس أن هناك علاقة وثيقة بين الاعتقاد بصحة توقعات الأبراج، وبين الغوص في النفس البشرية، فالإنسان بطبعه لديه فضول شديد ويلهث وراء معرفة المجهول، وبالأخص مستقبله ويربط ذلك بما يحدث له في حياته سواء بالخير أو الشر، لكن الأدهى من ذلك أن يتحول هذا الفضول إلى حالة من الإدمان والهوس، الذي يصل به لدرجة أنه لا يبرح مكانه إلا بعد معرفة ما يخبئه له طالعه، فتضعف ثقته بنفسه وبقدرته على المواجهة، والمحزن أن تتحول إلى حالة من النقم على القدر وتغيراته.
يتابع: يزيد هذا النوع من الهوس بالأبراج عند بعض السيدات، ويتحول لديهن إلى مرض نفسي، نظراً لطبيعتهن العاطفية واحباطاتهن النفسية المتكررة، فتلجأ كل منهن إلى قراءة الأخبار ومشاهدة البرامج الخاصة بالأبراج والحظ التي امتلأت بها الفضائيات، للبحث عن مزيد من التفاؤل أو لتعلق أخطائهن على شماعة الحظ، فينجذبون إلى كثير ممن يطلقون على أنفسهم خبراء فلك وهم في الأساس منجمون، معتمدين على أسلوبهم الشيق وطريقتهم الجذابة في جذب المشاهد، وينجحون في ايهام المشاهد بخرافات مبنية على جهل. ويعتبر الإعلام أحد أسباب زيادة تلك الظاهرة واحتضانها، لذا عليه أن يقلل منها حتى لا تزيد دائرة المرضى النفسيين، الذين من الممكن أن يقدموا على الانتحار في أي وقت.
مرض مجتمعي
ترى الدكتورة محاسن نور،أستاذة علم الاجتماع بمركز البحوث الاجتماعية، أن الكثيرين يلهثون وراء ما تخبئه النجوم لهم ويفرضونها في تعاملاتهم مع المحيطين بهم، وهذا من شأنه إضعاف العلاقات الاجتماعية، وإحداث مزيد من التفكك، فضلاً على أن الإيمان بالتنجيم مرض مجتمعي، زاد في الفترة الأخيرة بين الشباب نظرا لزيادة معدلات البطالة ما خلف حالة من الفراغ، كما أن زيادة نسب العنوسة دفعت الفتيات لطرق أبواب المنجمين ممن يطلقون على أنفسهم “خبراء”، ليغيروا الواقع ويحددوا الشخص المناسب للارتباط من صفات برجه، والكارثة أن الكثير من المتعلمين والمثقفين يثقون بهــــم ويبذلون لهم الأموال نظير ذلك.
تتابع: هناك دور كبير يقع على عاتق رجال الدين في التوعية وتغيير تلك المفاهيم وبث قوة العقيدة والإيمان بقلوب هؤلاء الشباب، وتحذيرهم من العواقب الناجمة عن ذلك، وللإعلام أيضاً دور كبير في التوعية، إلا أنه أصبح طرفا في تلك الجريمة وينشرها للحصول على مزيد من القراء والمشاهدين.

تحدي الغيب
يقول الشيخ محمد الذهبي، أستاذ الفقه والعقيدة: توقعات الأبراج جزء من الغيب والقدر الذي هو بيد الله، والإيمان به يعد كفراً ومخالفاً للشريعة الإسلامية بحسب قول الله تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً)، وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم، قال: (كَذبَ المنجِّمون ولو صدقوا)، وحديث للطبراني، قال: (مَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ بَرِئَ مِمَّا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَنْ أَتَاهُ غَيْرَ مُصَدِّقٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً)، فأبواب “حظك اليوم” والتوقعات اليومية تعد تحدياً لقدرة الله على تسيير الأمور وتغييرها، فقراءته من باب التسلية غير مستحبة، لأنها تجر القارئ للاعتقاد بها وبالتالي يصبح محرماً، فهي غير مبنية على بنود علمية أو دلائل قرآنية، ومتابعتها تغرس بداخل الإنســـان الخرافات والشعوذة ما يثنيهم عن الإيمان بالقضاء والقدر.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.