مراجعات نقدية: العمل الببليوغرافي والبحث التاريخي في رسائل الماجستير والدكتوراه

0 6

محمد جمعة عبدالهادي موسى

تبدأ البحوث العلمية الرصينة بالعمل الببليوغرافي وتنهي به أيضًا، هكذا يعتقد كثير من الباحثين النابهين حينما يريدون أن يقدموا دراسة ذات قيمة علمية عالية، فلا يقتصر البحث التاريخي لديهم –وغيره من البحوث- على جمع الفقرات والنصوص ذات الصلة بالموضوع من المصادر والمراجع، وترتيبها في بحثه، ثم يبدأ الباحث بالتعليق عليها وتحليلها ونقدها، مكتفيًا في النهاية بذكر تقسيمات الدراسة من فصول فيما يعرف بفهرس المحتويات. إنما هذا كله جزء من كل، فلا يكتمل هذا البحث من دون اتقان الباحث للعمل الببليوغرافي، الذي من الواجب أنه قد قام به ابتداءً قبل كتابة بحثه وصياغة الفقرات التي جمعها، بل الواجب عليه أن يدرك أن بحثه بالأساس قد يقوم على ما صنعه من ببليوغرافيات وفهارس وكشافات، ثم يدلف إلى كتابة بحثه في ضوئها.
إنه مما لا يسع الباحث التاريخي جهله “العمل الببليوغرافي” إذ هو أساس البحث العلمي الصحيح؛ فيجمع ويرتب، ويرصد ويفكر، ويقارن ويحلل، ويبين ويفسر، فمن العلم الببليوغرافي يقرأ الباحث وينشر تقاريره العلمية في ثنايا دراسته، ويدعم بها بحثه.
ولعل من المعايير التي يجب الأخذ بها عند تحكيم الرسائل العلمية (الماجستير، والدكتوراة) وغيرها من البحوث والدراسات العلمية المحكمة أن يكون فيها العمل الببليوغرافي أساسًا لكلها أو لجزء منها، وأن ينظر المحكم بعناية إلى ما ينتجه الباحث من قراءات ببليومترية، وتقارير علمية، اعتمادًا على هذه الببليوغرافيات الملحقة ببحثه، فضلا عن نظر المُحكم إلى براعة الباحث في بث هذه التقارير في عموم بحثه المقدم لنيل الدرجة العلمية، هذا فضلا عن الخرائط التوضيحية التي صنعها الباحث في ضوء هذا العمل الببليوغرافي، ومما توفر إليه من إحصاءات وبيانات، يبتكر إحداثها الباحث، فلا يقتصر الأمر على تجميع فقرات من هنا وهناك، وتفاصيل لأمور قد لا يكون لا علاقة لها بالبحث وموضوعه.
وإنه لمن المؤسف أن نرى كما كبيرا وعظيما من الرسائل العلمية (الماجستير والدكتوراة) بها فصول وفقرات لا علاقة لها بموضوع الرسالة بالأساس، وهي مجازة بدرجات لا تستحقها على الاطلاق، وكان من الممكن إنجازها في ضوء العمل الببليوغرافيز وهنالك عشرات الرسائل لا تحتوي على ببليوغرافيات أو فهارس أو كشافات، وهو أمر قد يتطلب من باحثين آخرين المعراج على هذه الرسائل والتعليق عليها بالإضافة إذا عملوا ببليوغرافيات لها.
ومن الأمثلة على ذلك، تلك الموضوعات التي تقوم على دراسة الحياة العلمية لموضع، أو دور جماعة من العلماء في أحد الحقول العلمية، سواء كانت في العلوم العقلية أو النقلية، فتجد من لديه وعي بالعمل الببليوغرافي، يقوم على إعداد قوائم العلماء، فيرتب فهرس العلماء وفق تاريخ الوفاة، ثم يرتبهم وفق منجزاتهم العلمية وانتاجهم العلمي في الحقل العلمي مثلا في علوم القرآن أو الحديث، ومن هذا الترتيب يصنع تقريره الذي يبين فيه أي مجموعة من العلماء في عصر ما كانوا أكثر إنتاجًا علميا تأليف وشرحاً … الخ، وذلك وفق فهرس تاريخ وفاة العلماء، ويصنع تقرير آخر يبين فيه عدد العلماء في كل عصر في الفترة الزمنية المختارة، ومن فهرس ترتيب العلماء وفق المواضع يصنع تقارير مواضع تركزهم، ويبين ويفسر لماذا ازداد عدد العلماء في موضع وقل في موضع آخر. وهكذا من خلال الإعداد الجيد للعمل الببليوغرافي الذي يقوم عليه البحث، ويقدمه صاحبه بشكل متقن وصحيح، فيصير بحثه مرجعًا مهمًا لغيره فيمن يشتغلون في حقل تخصصه، فتنبعث بالتالي قيمة أخرى للبحث، وهي الإقبال عليه والاستشهاد منه، لما فيه من جديد.
باحث دكتوراه في التاريخ الإسلامي

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.