مساجد بلا أسقف في تركيا قصص اسلامية

0 5

محمد الفوزان

لها قيمة تاريخية، ومكانة معنوية في قلوب المسلمين الأتراك، فمنذ قرون مضت، يستقبل مسجد أقيم في الهواء الطلق الذي لا سقف له، المصلين، في مصيف كادرغا، شمال شرقي تركيا، ويقع المسجد الذي يتألف من ساحة تكسوها الأعشاب مُسورة بحجارة، ومئذنتين، على هضبة كادرغا، التي ترتفع 800 متر عن مستوى سطح البحر، على حدود ولايتي غوموش هانة وطرابزون. ومع حلول الصيف يتجه عدد من أهالي ولايات طرابزون وغيرسون، وغوموش هانة، إلى مصيف كاردغا، ويحرصون على أداء صلاة الجمعة في مسجد الهواء الطلق الذي يعود عمره لـ 557 عاما. ويروى أن السلطان محمد الفاتح صلى فيه، وقال إمام المسجد، عاكف يازجي، إن دار الافتاء في المنطقة، تعين إماما موقتا للمسجد، في أشهر الصيف، بسبب كثافة السياح الذين يرتادونه للصلاة فيه وإلقاء نظرة عليه وعلى التاريخ المجيد المشرّف الحافل بالانتصارات والفتوحات، ولفت إلى الأهمية التاريخية للمسجد، حيث يروى أن السلطان الفاتح، أدى صلاة الجمعة مع جنوده في هذا الموقع، أثناء توجهه لفتح طرابزون. وذكر عاكف يازجي أن السلطان محمد الفاتح أمر بإحاطة المكان بحجارة لتحصين الموقع، وفق الروايات، وبات مسجدا لأداء صلاة الجمعة منذ ذلك الحين، وحتى يومنا.
ومسجد آخر اسمه “صانكي يدم” بمعنى “كأني أكلت“كان يعيش في منطقة ”فاتح” شخص ورع اسمه ”خير الدين كججي أفندي”، كان صاحبنا هذا عندما يمشي في السوق، وتتوق نفسه لشراء فاكهة، أو لحم، أو حلوى، يقول في نفسه:
”صانكي يدم” كأنني أكلت” ثم يضع ثمن تلك” الفاكهة أو اللحم أو الحلوى في صندوق له.
ومضت الأشهر والسنوات، وهو يكف نفسه عن كل لذائذ الأكل، ويكتفي بما يقيم أوده فقط، وكانت النقود تزداد في صندوقه شيئا فشيئا، حتى استطاع بهذا المبلغ الموفور القيام ببناء مسجد صغير في محلته، ولما كان أهل المحلة يعرفون قصة هذا الشخص الورع الفقير، وكيف استطاع أن يبني هذا المسجد أطلقوا على الجامع اسم (جامع صانكي يدم )
ويحمل مسجد “كأني أكلت “حكمة وفلسفة، حيث يقول “عبد الصمد آيدن” نائب مفتي منطقة الفاتح في إسطنبول: “إن الحكمة من مسجد “كأني أكلت” هو الحث على التوفير الممكن وعدم التبذير والاقتراض والاقتصاد قدر المستطاع بكل المواد، خصوصا أننا نعيش في مجتمعات استهلاكية كبيرة، وهذا المسجد يمثل درسًا ممتازًا لكل إنسان، الرجل في إدارة أعماله والمرأة في منزلها وحتى الشباب والأطفال”.
وحول تاريخ بناء المسجد يقول آيدن: “المسجد بني بواسطة “كتشيجي خير الدين” أو “محمد شوقي أفندي” ولم يبت التاريخ في الاسم، هذا الرجل عانى الفقر وامتلك تلك القدرة الجبارة على لجم النفس البشرية، فحرمها كل مشتهياتها بمساندة “كأني أكلت” والمتوفر من أموال هذه الحياة المتقشفة رفع به على مر سنوات جدران هذا المسجد”.
وأصبحت عبارة “كأني أكلت” سلاحًا في يد الأمهات القلقات على أولادهن المبذرين من سكان منطقة الفاتح، لكن الطّامة أن هذه العبارة تسربت لعقول البخلاء الأشحاء أيضاً، فصارت المثل الذهبي لهم!
يقول أحد المصلين أمام مسجد “كأني أكلت”: إن الذي قام ببناء المسجد كان عارفًا وحكيمًا عبقريا، وعلينا الاتعاظ به، ويحضرني قول لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال: حملت الصخر والحديد فلم أر أثقل من الدين، فهو هم في الليل وذل في النهار.
وحول حكمة مسجد “كأني أكلت” يقول أحد المصلين: “هو أمر في غاية الصعوبة مع وجود كل مغريات الحياة اليومية، لكن التلذذ بالأطعمة وإسكات الجوع وجهان لعملة واحدة، وهي الشبع، والأمر بحاجة إلى عزيمة قوية وبرنامج منظم، ثم ننعم بالنتائج الرائعة، الصحية والمادية وغيرها”
وتبقي فلسفة مسجد “كأني أكلت” حلا في يومنا الحاضر للأزمة المالية العالمية، بالتركيز على أهمية التخطيط المالي والادخار وعدم التبذير، وينقل هذه الفلسفة المثل الشعبي الذي يقول” خبىئ قرشك الأبيض ليومك الأسود” و”كأنك أكلت” حتى لو كنت جائعاً.

\ إمام وخطيب

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.