يعوضون به نقص المخدرات ليواصلوا الرحلة نحو الضياع

مسحوق الحشرات… أحدث ابتكارات المدمنين ومحل تشكيك الخبراء يعوضون به نقص المخدرات ليواصلوا الرحلة نحو الضياع

القاهرة – صفاء عزب:

تعاطي المخدرات والادمان من أخطر الظواهر التي تهدد المجتمعات العربية لانتشار هذه الآفة بين قطاع الشباب بنسبة كبيرة بما يعني ضرب القوة المجتمعية في مقتل باعتبار أن الشباب عصب الحياة, علاوة على ما يكلف الاقتصاديات العربية من أموال.
يأتي هذا في الوقت الذي رصد صندوق مكافحة وعلاج الادمان بمصر أرقاما خطيرة حول ظواهر الادمان الشاذة التي ابتدعها المدمنون ومنها استنشاق رماد النمل والخنافس والصراصير مختلطا بمواد أخرى ل¯ “عمل دماغ”, واذا كانت التقاريرالرسمية والدولية رصدت تركز حركة الادمان في البانغو والحشيش والأفيون, فان هناك أنماطا جديدة من أساليب الادمان الغريبة والشاذة التي بدأت تظهر في الفترة الأخيرة كإدمان الصابون, الطباشير, التنر, الكبريت, الأسيتون, وكلها مواد أصبحت متداولة بين قطاع من أطفال الشوارع والشباب الصغير.
الا أن ظاهرة ادمان الحشرات تعد من أغربها وأصعبها لما تثيره من اشمئزاز, وقد وردت بلاغات لجمعيات أهلية معنية بمكافحة الادمان والتدخين عن وجود أشخاص يتعاطون رماد حريق النمل والصراصير بحثا عن المزاج الرخيص.
ورغم وجود حالات واقعية لادمان الحشرات تم اكتشافها في أماكن بعينها سواء في مصر أو غيرها من الدول العربية ومنها العراق والجزائر الا أن الحديث عن هذا النوع من الادمان الشاذ يثير جدلا في الأوساط الطبية.

صلاح الدين عبدالرؤوف:
حرق رؤوس الحشرات ينتج
عنه غاز أكسيد النيتروز المحفز لإحساس البهجة

خليل فاضل: بعضها يتسبب
في إصابة المدمن بإصابات خطيرة في الدماغ والكبد ويصل الأمر للإصابة بالسرطان

نبيل عبد المقصود: تعاطي رماد الحشرات يندرج
تحت نمط إدمان العادة
بحثا عن مزاج وهمي

هشام عباس: الظاهرة معروفة منذ الحرب العالمية الأولى وتنتشر بين سكان المقابر

خالد الدباغ: لا وجود لهذا النوع من الإدمان والحديث عنه هدفه الإثارة

يروي المهندس أحمد علي قصة اكتشافه هذا الادمان الجديد حينما ذهب مع أحد أصدقائه لزيارة مقبرة والده الكائنة في مقابر القاهرة وبعد قراءة الفاتحة على روحه طلب صديقه مرافقته لزيارة أحد الحرفيين من سكان تلك المنطقة للاتفاق معه على عمل.
كان اللقاء في أحد المقاهي المجاورة وهو عبارة عن مصطبة وبعض المقاعد المتهالكة ويتم تقديم المشروبات للزبائن في أكواب كئيبة وعلى صواني معدنية بالية, وكانت صدمة للصديقين عندما رأيا أشخاصا يتفاوضون حول ثمن علب كبريت وورنيش فارغة ما أثار دهشتهما, ولما سألا عن الأمر علما أن تلك العلب تحتوي على رماد حريق خليط من حشرات النمل والصراصير التي يقوم أحدهم باعدادها لزبائن الكيف الذين لا يملكون ثمن حقنة ماكس أو قطعة بانغو أو حشيش. وكانت هذه الحادثة سببا في كشف نوع جديد من أنواع الادمان المدمر للصحة وأفراد المجتمع.

مجرد إثارة

يرفض الدكتور خالد الدباغ, استشاري علاج الادمان, الاعتراف بتلك الظاهرة مؤكدا أنه لم يسمع حالات ادمان للحشرات خلال مسيرته العلمية كما لم يتم مناقشة هذا الموضوع في بحث أو دراسة علمية موثقة, محذرا من أن طرح مثل هذه الموضوعات هدفها الاثارة الاعلامية لموضوع لا أساس له من الصحة, مضيفا أن حرق الحشرات لا ينتج عنه أي محفزات لتنشيط المواد التي يفرزها الدماغ في حالات ادمان المخدرات, لأن المدمن حينما يتعاطى المخدر فانه ينتظر مكافأة ما عبارة عن حالة مزاجية معينة وهي ما يطلق عليه “عمل دماغ”, كما أن أبواب المخدرت لم تغلق في وجه المدمنين حتى يلجأوا الى الحشرات, فالمخدرات تملأ الدنيا وهي سبب الكوارث, وللأسف الشديد أنواعها كثيرة وليس للمدمن حاجة الى اللجوء للحشرات كي يدمن شمها.

رماد الحشرات

يؤكد هشام عباس المحامي, رئيس الجمعية المصرية الدولية لمحاربة التدخين والادمان, ظاهرة ادمان الحشرات, مشيرا الى أن كثيرا من الأطباء لا يعلمون شيئا عن وسائل الادمان المستحدثة, حيث يقتصر دورهم على العلاج دون معرفة أو دراية بأية تفاصيل أخرى, خصوصاً أن مدمني هذا النوع من المواد سواء الحشرات أو غيره لا يلجأون عادة للعلاج عند طبيب متخصص, مشيرا الى أن الأطباء لا يعلمون شيئا عن سجائر القرنفل والشيشة الالكترونية وغيرها من أنماط التعاطي رغم تداولها في أماكن كثيرة.
بالنسبة لادمان الحشرات الذي ينكره بعض الأطباء, بسبب جهلهم به, موجود منذ الحرب العالمية الأولى حسب ما أخبرنا به المؤرخون, ففي أثناء الحروب يصعب الحصول على المخدرات فيضطر المدمنون الى وسائل بديلة منها استخدام رماد الحشرات بعد حرقها, والتي يقول عنها علماء تشريح الحشرات أنه عند حرق الجزء المدبب في مقدمة الصرصور ينتج عنه رماد يتحول الى مادة ادمان.
و عن كيفية اكتشاف ادمان الحشرات في العالم العربي يقول: تم اكتشاف هذه الظاهرة منذ 8 سنوات في العراق, فقد اكتشفت من خلال أحد المصريين الذي كان يعمل سائقا هناك, وبدأ يمارس هذا النوع من التعاطي, كما تم اكتشاف الأمر في مصر بالصدفة البحتة منذ سنوات عدة, عندما تلقينا بلاغا في الجمعية من أحد سكان منطقة مقابر باب النصر بوجود متعاطين للحشرات, وبعد محاولات مضنية لاختراق المنطقة ومعرفة تفاصيل هذا النوع من الادمان علمنا أن الحكاية بدأت صدفة عندما كان أحدهم يجلس على الأرض وبيده سيجارة ثم رأى نملاً وصراصير وأراد أن يقتلها حرقا بالسيجارة ثم عاد يأخذ نفساً منها فاستشعر اختلاف الطعم بل استحسنه فأخذ يكرر الأمر حتى أصبحت عادة, ومن ثم انتقلت لأشخاص آخرين بعد أن حكى لهم ما حدث معه, وصارت ظاهرة خطيرة في تلك المنطقة بل طوروا الأمر وصاروا يضعون عليه حبات “الفلورست” دواء البرد الشهير, وكأن المدمن يصنع الكيمياء التي يبحث عنها لتخليق لذة وهمية.
ونفس الشيء شاهدناه في منطقة حلوان اذ يتناول بعض المدمنين كوكتيل من المواد المنبهة معا مثل شرب خليط الشاي والقهوة, والذي ينتج مادة ادمان أيضا. مقارنا بين اليابان التي اشترت صراصير أميركية بعشرة ملايين دولار منذ ست سنوات لاجراء تجارب علمية عليها لمساعدتهم على الكشف المبكر للزلازل, بينما يتم استخدامها هنا في الادمان, وان علبة الكبريت الصغيرة التي تحتوي على مسحوق النمل والصراصير يصل سعرها الى جنيه وربع بينما علبة الورنيش المليئة بكوكتيل الحشرات يصل سعرها الى خمسة جنيهات, وهو ما يعكس حالة التوهان لهؤلاء الذين يسقطون في براثن هذه الأنماط الشاذة من التعاطي, مشيرا الى أن الجمعية خاطبت 40 دولة في العالم لمعرفة القوة الادمانية لهذه الحشرات ودرجاتها مقارنة ببعضها البعض, ومقارنتها بقوة العقاقير المخدرة الأخرى وفي انتظار ردها, لافتا الى أن من يدخن الشيشة بنهكات الفواكه كالتفاح وخلافه يحتوي على مكسبات طعم مدمرة للصحة, أو تكون مصنعة من فضلات مصانع الفاكهة والعصائر التي تحتوي على الحشرات ويتم فرمها كلها مع تلك الحشرات ثم تباع لأصحاب الكيف .
وحول رأي علماء الحشرات في هذا الموضوع وحقيقة انبعاث مواد ادمانية عند حرق بعض الحشرات لم يستبعد الدكتور صلاح الدين عبد الرؤوف أستاذ علم الحشرات المساعد بجامعة أسيوط, وجود ادمان للحشرات وقال ان سبب الادمان ربما يكمن في أن حرق رؤوس الحشرات يؤدي الى تصاعد غاز أكسيد النيتروز الذي يؤدي استنشاقه بشكل مباشر ومكثف الى تحفيز مسار اطلاق الناقل العصبي الدوبامين في الدماغ وهو المسار الخاص بالسلوك العاطفي والاحساس بالبهجة والسعادة, والخطير في هذه الحالة أنه يولد سلوك الدافع والمكافأة الذي يربط بين استنشاق الغاز والاحساس بالبهجة ومن ثم يقود الى الادمان, ومع ذلك فلا توجد دراسات متخصصة في هذا الشأن حتى الآن.

التمرد على الواقع

يقول الدكتور خليل فاضل, أستاذ الطب النفسي, أن البحث عن الاثارة والمتعة واللذة السريعة يعد الدافع الى تجريب مثل هذه المواد المخدرة والاقبال على تعاطيها, كما أن سهولة الحصول عليها ورخص تكلفة اعدادها مقارنة بالمواد المخدرة الباهظة الثمن يعد مشجعاً لتناولها وتعاطيها من باب التمرد على الواقع أحياناً, والشعور بالاحباط, وتقليد الأصدقاء بين صغار السن من الشباب والفتيات, موضحا أن حسم مسألة ادمان الحشرات تقع على عاتق المتخصصين في مجال السموم لكي يفصلوا في حقيقة الأمر.
وما نخشاه على المجتمع من استفحال هذه الظاهرة هو تأثير تلك المركبات السامة على من يتعاطاها على المدى القريب أو البعيد, مشيرا الى أن بعضها يتسبب في اصابة المدمن باصابات خطيرة في الدماغ والكبد بجانب أنواع مختلفة من السرطانات, كما تؤثر على درجة وعي واستيعاب الانسان مؤكدا أن ادمان هذه المواد يؤدي الى ما يسمى بالاعتماد البدني الذي يعد حالة من اعتماد فسيولوجي للجسم يدفعه للاستمرار في تعاطي المواد التي اعتاد المدمن على تعاطيها ومن ثم فان أي محاولة لوقف التعاطي يؤدي الى حدوث أعراض بدنية مرضية خطيرة يمكن أن تنتهي في ظروف معينة الى الوفاة, الأمر الذي يجبر المتعاطي على العودة لتلك المواد لوقف ظهور هذه الأعراض البدنية الخطيرة.

مزاج وهمي

يقول الدكتور نبيل عبد المقصود, أستاذ علاج السموم, كلية طب قصر العيني, أن تعاطي هذا النوع من المواد الغريبة المكونة من بقايا رماد حريق الحشرات يمكن تسميته بأنه سلوك قائم على الارتباط الشرطي بين ممارسة هذه العادة وبين المرور بحالة من المزاج الوهمي, مشيرا الى أنه لم تقابله حالة واحدة لادمان الحشرات منذ التسعينات لكن هناك بالتأكيد نوع من الأحماض يتم ابنعاثه من حرق الحشرة يؤثر على تغيير الحالة المزاجية فقط الا أنه ليس وسيلة للادمان وان كان الأمر لا يقل خطورة عن ادمان المخدر لأن الأبخرة المتصاعدة من حرق الحشرة تحتوي على غازات سامة تؤذي الشخص الذي يستنشقها وتسبب له تسمما.
ويشير عبد المقصود الى نوعين من الادمان الأول ادمان نفسي نتيجة الاعتماد على فعل شيء معين, والثاني ادمان عضوي لمادة معينة يعتمد عليها الجسم ويشعر بالأعراض الانسحابية عند التوقف عن تعاطيها ولا يندرج الاعتياد على تعاطي واستنشاق رماد الحشرات تحت هذا النوع من الادمان, لكنه يكون أقرب الى النوع الأول وهو الادمان النفسي للعادة نفسها, ولكي تكون هناك حالة ادمان لابد من وجود مادة ادمان في المادة التي يتم تعاطيها مثل الأفيون أو تكون مادة مخلقة صناعيا في المعمل أو مادة طبيعية موجودة في النبات, أما الحشرات فلم يثبت بعد خروج مواد من هذا النوع خلال حرقها.