مسقط عاصمة للسلام

0 559

أ.د كريم فرمان

ربما من اكثر تعريفات السياسة الخارجية فهماً ووضوحا انها خطة العمل العلنية التي يختارها الممثلون الرسميون للدولة من بين بدائل عدة متاحة من أجل تحقيق غايات معينة، لها أرتباط بأهداف الدولة وانشغالاتها في المحيط الخارجي، وقد اتسمت السياسة الخارجية العُمانية منذ تولي السلطان قابوس بن سعيد زمام الحكم عام 1970 بالسمات التالية :
اولاً: الواقعية الأيجابية، بمعنى عدم الأستكانة لموجبات الواقع، انما العمل على تطويره، والتفاعل مع عناصره ومتغيراته.
ثانياً: أعلاء اهمية المصالح الوطنية، والانتماء العربي، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، والسعي لتعزيز سياسة تبادل المنافع المشروعة.
ثالثاً: تغليب اسلوب الحوار والمساعي الحميدة في حل النزاعات، الدولية والاقليمية، لان كلفة الحروب لا تقارن بمنافع السلام والصداقة.
اتجهت الأنظار الى مسقط خلال الأسبوع الماضي، وانشغل المراقبون والمتابعون في التحليل السياسي، وكذلك الموتورون، في انتقاد السلطنة على خلفية استقبال بنيامين نتيناهو، رئيس وزراء اسرائيل، في مسقط، ونسي هؤلاء ان السلطنة تنفرد بميزة قل نظيرها، وهي الشفافية والعلنية في كل مواقفها، فليس هناك شيء تخشى منه لتخفيه، فمواقفها ثابتة ومعروفة منذ زمن طويل في دعم الحق الثابت للشعب الفلسطيني في قيام دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
ومثل ما اقرت ذلك جميع القمم العربية، بعد اعتماد المبادرة العربية للسلام وبسبب هذا المنهج، اكتسبت السلطنة مكانة عربية ودولية محترمة ويشار لها في الاوساط السياسية بانها دولة ذات مصداقية وموثوقية عالية ومبادرات السلطنة لأحلال السلم والاستقرار في المنطقة، لم تكن فقط ازاء القضية الفلسطينية، بل هي امتداد لمساعي حميدة باتجاه ازمات وصراعات اخرى، وربما لم يكن معروفا ان السلطنة عبر وساطتها النزيهة نجحت في ترتيب عقد قمة بين الرئيس العراقي الراحل صدام حسين والرئيس الايراني الراحل هاشمي رفسنجاني، رحمهما الله، لمعالجة ذيول ومخلفات الحرب الطويلة بينهما، لولا ان دخول العراق الكويت العام 1990، قد حال دون ان ترى النور هذه المبادرة السلمية العُمانية، وقبل ذلك ساندت السلطنة مبادرة السلام المصرية- الاسرائيلية، وضلت تدعم اي جهد ومبادرة ينتج عنها استعادة حقوق الشعب الفلسطيني، ولهذا اكد السلطان قابوس في خطابه في 18 نوفمبر 1979″ ان عُمان تعلن وبصراحة انها ستؤيد بقوة اي مبادرة يقوم بها اي زعيم عربي، او زعيم اخر، من شأنها ان تؤدي لتحقيق هذه الغاية”.
وسعي السلطنة واضح في البحث عن حلول لنزاعات وخلافات اخرى، سواء كانت في اليمن، او استضافة مباحثات افضت لعقد اتفاق 5+1 بين ايران واميركا وغيرها من النجاحات.
ان يأتي بنيامين نتنياهو لزيارة مسقط، سواء بطلب منه او بدعوة، وقبلها جاء الرئيس الفلسطيني ابو مازن وطرحت السلطنة على الفريقين رؤيتها للحل السلمي والعمل مع المجتمع الدولي لأرساء سلام عادل يثبت الأستقرار في الشرق الاوسط ،فما المشكلة في ذلك؟
اما ان يأتي من يقول لك انه تطبيع مجاني ومرفوض، فهذا الطرح يثير الشفقة، فالسلطة الوطنية الفلسطينية المعترف بها دوليا تخوض حوارات ولقاءات كل يوم مع الجانب الاسرائيلي، وهناك اتفاقات موقعة وتحصيل ضرائب ورسوم وترتيبات، فماذا يدعى هذا، اليس تطبيعا بين اهل القضية الاصلية واسرائيل؟
كما ان هناك دولا عربية اخرى، قريبة وبعيدة اتخذت، لها خيارات في توقيع معاهدات للسلام مع اسرائيل، ويلتقي قادتها ومسؤولوها الجانب الاسرائيلي.
السلام اصبح خيارا، والحوار هو الطريق الوحيد، والسلطنة البلد الذي يستند الى ارث تاريخي ضارب في الجذور، كدولة عريقة ومحبة للسلام، فهي ليست لها مصلحة ذاتية، او ترفع شعارات براقة شعبوية، كما انها دولة تمارس ادوارها السياسية في الهواء الطلق، وتقول ما تؤمن به من دون مواربة، وينبغي للعرب جميعا دعم واسناد الجهود العُمانية في السعي الى استكشاف وسائل، وطرح مبادرات، لتحريك هذا الجمود في مسلك القضية الفلسطينة التي تأخر حلها لأكثر من سبعين عاما، والحرب امست خيارا غير مطروح لاسباب معروفة، والبديل هو نهج السلام والحوار الهادئ الذي تتخذه عُمان وقيادتها، التي لا أحد يستطيع ان يزايد على انتمائها العربي، والحكمة والديبلوماسية التي تمتاز بها ودائما تفاجئنا بالنجاحات.
عُمان وسلطانها حباهما الله بحب الخيروالسلام للعالم اجمع، وهذه هي السياسة ان تعمل على تحريك المياه الراكدة، ولو برفق.
رئيس مجلس إدارة مؤسسة المرأة العربية

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.