مسكنات حكومية بسبب غياب التأمين بقايا خيال

0 1٬209

يوسف عبدالكريم الزنكوي

خلال العقود الخمسة الماضية كتبت عشرات المقالات حول أهمية تعامل الحكومة أو أجهزتها مع الحدث قبل وقوعه، بدلاً من أن نتصرف طبقاً لردود الأفعال، أو كما يقال: (Being proactive, rather than reactive)، إلا أنه لا أحد يهتم، ويبدو أننا نؤذن في مالطا، وخير دليل على ما نقول غرق الكويت “في شربة مية” قبل بضعة أيام، ولو كان طقسنا مثل طقس تلك الدول التي تعاني من كثرة الأمطار على مدار السنة، مثل تايلند أو الهند أو أندونيسيا أو تركيا أو غيرها، لكان حالنا يرثى لها.
ظاهرة غزارة الأمطار على الكويت في هذا الوقت بالذات، ليست جديدة على الكويت، وأهلها يعرفون جيداً هذا الأمر، بل إن الكويت تحديداً، ومن بين دول الخليج كلها ورغم صغر مساحتها، تتميز بكثرة خبراء الطقس الذين يتحفوننا بشتى المعلومات المناخية والخبرات الجوية، عبر مختلف وسائل الاتصال بالجماهير كل يوم. بل لا يمر يوم إلا ونشر خبر عبر الصحف المحلية عن توقعات الطقس خلال الساعات والأيام المقبلة، لكي نتوخى الحيطة والحذر سواء في البر أو البحر، وأول من يجب أن يكون مستعداً لمواجهة تقلبات المناخ المحلي، ومعالجة نتائج أي كارثة متوقعة، الحكومة نفسها، بجيشها الجرار في أجهزتها المتخصصة بالشأن الجوي، سواء كانت وزارة الأشغال أو البلدية أو الإطفاء أو وزارة الداخلية
أو وزارة الصحة أو وزارة الدفاع بشقيها الجيش والحرس الوطني.
ورغم أننا ندعم سمو رئيس مجلس الوزراء في قراراته الأخيرة لمواكبة أحداث الأيام الممطرة، التي تسببت في تلف ممتلكات المواطنين والوافدين من سيارات ومنازل وأثاث وغيرها من الممتلكات التي تقدر قيمتها بعشرات الملايين من الدنانير، إلا أننا وبعد إقالة بعض كبار المسؤولين في الدولة، نتساءل: من الذي سوف يعوض خسائر الناس سواء كانت نتيجة إهمال بعض الأجهزة الحكومية أو كانت نتيجة إهمال مقاول؟ أنا أعرف أن كل الدول الغربية وكثير من الدول النامية تعرف أهمية التأمين في حياة الناس، ولهذا زرعت في عقولهم الوعي بأهمية التأمين على كل شيء، ابتداء من التأمين على السيارة وانتهاء بالتأمين على الحياة، مروراً بالتأمين الصحي والتأمين على الممتلكات أو ضد التلف أو الكوارث الطبيعية أو ضد السرقة والحريق، وغيرها من أشكال التأمين التي يعرفها العالم كله، إلا الكويتيين الذين عودتهم الحكومات المتعاقبة على الاعتماد عليها في كل شيء، فترسخت في أذهان كل الكويتيين مبادئ الدولة الريعية.
وإذا ثبت بالدليل القاطع مسؤولية الحكومة عن خسائر المواطنين والوافدين الناجمة عن الأمطار الغزيرة التي هطلت على الكويت خلال ثلاثة الأيام فقط الأخيرة، سواء كانت بسبب أعمال الطرق أو أخطاء كارثية في البيوت الحكومية أو غيرها من أشكال الإهمال الذي تعودنا عليه خلال العقود الماضية، بسبب تغييب أو تجميد القوانين الرادعة، فكم ستكون خسائر الحكومة إذا ما قررت سداد فاتورة الكوارث الطبيعية؟ وكم هي المدة التي سوف تستغرقها لسداد هذه الفاتورة الباهظة؟ وهل سيكون باب التعويض هذا مدخلاً لتفعيل دور قطاع التأمين في التقليل من خسائر الأفراد والشركات الناجمة عن الكوارث الطبيعية؟
نحن نتمنى ذلك، إلا أنه وبسبب الإحباط الذي ينتاب الجميع من المواقف الحكومية “التمييعية”، أقول: إذا كانت الحكومة تتعامل مع الثروة النفطية الناضبة بشيء من اللامبالاة، ولم تحاول، طوال العقود الماضية، أن تضمن مستقبل الأجيال بل ومستقبل الكويت كلها من خلال إيجاد مصادر طاقة بديلة تماماً كما تفعل الدول العاقلة، ومن بينها جيراننا من دول الخليج، فبأي طريقة نستطيع أن نقنع هذه الحكومة التي ترعى شؤون المواطن من المهد إلى اللحد، وتفقده اهتمامه بجدوى التأمين على كل شيء، وكيف نقنع مسؤوليها، الذين لا يتحرك كثير منهم إلا بعد أن يقع الفأس بالرأس، بأن التأمين من ضرورات الحياة، وأنه مصدر من مصادر الدخل للحكومة وللشركات وللأفراد على حد سواء؟

اعلامي كويتي

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.