مشكلات الصحافة الورقية بقايا خيال

0 114

يوسف عبدالكريم الزنكوي

يبدو أن علة التمسك بالكرسي عند العرب لا تقتصر فقط على الحياة السياسية، حيث يعشش زعماء لا ينزع عن ظهورهم كرسي الزعامة سوى الموت، أو الاغتيال، أو الانقلاب، إنما ينتشر كالسرطان في بقية مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية أيضاً، ولا أبالغ إذا قلت إن عشق التمسك بكرسي القيادة أخذ ينخر بجسد الحياة الثقافية أيضاً، حتى انتقل إلى الصحافة، لمجرد توفر المال، أما المعرفة بالشأن الإعلامي، سواء كان علمياً أو خبراتياً، فهذا غير مهم، لأن المال هو أهم عامل لبدء مشوار التمسك بالكرسي لتحقيق المصالح، خاصة كانت أو عامة، وما عليك إلا النظر إلى ما حولك من صحف يومية عربية، ومدى نجاحاتها الإعلامية والإعلانية والثقافية.
الغريب في الأمر أن رغم قلة عدد سكان الكويت، وتكاثر عدد الصحف اليومية، ورغم انخفاض عدد المعلنين وانحسار المساحات الإعلانية في الصحف اليومية، ورغم تدني عدد القراء بسبب توغل سرطان وسائل التواصل الاجتماعي في حياة الناس بشكل مأسوي، وبالتالي انحدار إيرادات هذه الصحف من المبيعات، فتبعها ازدياد الخسائر التي يفترض أن تؤدي إلى إغلاق الصحف الخاسرة وإلى الأبد، إلا إن أصحاب هذه الصحف لا يعيرون فكرة الاندماج مع صحف أخرى قوية، أو للاستقواء بالاتحاد، أي اهتمام.
فنحن نرى أن هناك صحفا قلصت عدد المحررين في القسم الواحد إلى محرر واحد، حتى لو أن الأوضاع الحالية تتطلب أكثر من أربعة محررين لمتابعة الأحداث والأخبار، ونسمع عن صحف امتنعت عن منح كتابها مكافآت شهرية، ونلمس حقيقة أن الصحف توقفت عن الصدور يوم السبت من كل أسبوع، ونشعر أن هناك صحفا متخوفة من احتمال توقف الدعم الحكومي لها، فاضطرت إلى التحول إلى صحافة علاقات عامة.
كل هذا نعرفه، إلا أننا لا نشتم أبداً أي رائحة لفكرة اندماج بين صحيفتين كويتيتين من أجل الاستقواء على الساحة المحلية على الأقل، بعد أن كان الآخرون يعدون صحافتنا سيدة الصحافة الخليجية لعقود من الزمن.
ففي نهاية تسعينات القرن المنصرم نشأت عمليات اندماج بالجملة بين شركات من مختلف القطاعات الاقتصادية، خصوصاً في القطاع النفطي، كإندماج شركتى “بريتيش أموكو” وشركة “أتلانتيك ريتشفيلد” الأميركية المعروفة بـ “ARCO”، ليصل إجمالي رأس مال هذه الشركات النفطية العالمية عند لحظة الاندماج الى أكثر من 185 مليار دولار أميركى.
ووقعت عمليات اندماج أخرى في القطاع المصرفي، بين بنوك عريقة وضخمة عالمياً في اليابان، فبرزت إلى الوجود أكبر عملية اندماج في تاريخ المصارف العالمية على الإطلاق، وذلك باندماج بنك “داي إيتشي كانغيو” مع بنك”فوجي” والبنك الصناعي الياباني ليصل إجمالي موجوداتها في ذلك الوقت إلى 1,3 تريليون دولار، وهو أكبر من موجودات كل البنوك العربية مجتمعة.
وهناك اندماجات شركات نفطية ومصارف عالمية أخرى وقعت في دول عدة خلال تلك الفترة، أكدت أن في الاتحاد قوة، وأن البقاء للقادر على الانتشار، علماً ان كل المؤسسات المندمجة المذكورة أعلاه، وقبل عملية الإندماج كانت تجني أرباحا سنوية بمليارات الدولارات، وهو ما يعني أنها كانت قادرة على البقاء في أسواقها دون أن تعاني أي مشكلات مالية، أو تنافسية، ورغم ذلك اندمجت مع مؤسسات مماثلة قوية، في سبيل الاستمرار فى ساحة المنافسة.
وإذا كانت هذه الشركات الضخمة التي لها تاريخ طويل يعود لمئات السنين من العمل في الأسواق العالمية، وتواصل جني الأرباح بمليارات الدولارات سنوياً، ورغم ذلك فكرت بالاندماج مع شركات مماثلة، فمن تكون المؤسسات الصحافية الكويتية، التي تعاني اليوم من شح مالي وإعلاني، ومن عجز في الانتشار لزيادة عدد القراء، مع كامل الاحترام لها ولأصحابها وللعاملين فيها، فهل وصلت إلى مستوى صحف عالمية مثل “نيوز ويك” العالمية التي بدأت بالصدور في العام 1933، ولكنها اندمجت مع شركة إعلامية أخرى، ثم أوقفت طبعتها الورقية في العام 2012، واكتفت بالصدور إلكترونيا، ثم عادت إلى الإصدار الورقي في العام 2014، وهل وصلت إلى مستوى صحيفة “روكي ماونتن نيوز” الواسعة الانتشار التي صدرت عام 1859 وكان لها أكثر من مليوني قارىء في ولاية كولورادو الأميركية، ثم توقفت عن الصدور في العام 2012؟
اعلامي كويتي

You might also like