مصر التي يتجاهلها شبابها

0 6

محمود عابدين

منذ زمن بعيد سافرت إلى اليونان، وتجولت في مدنها وريفها، استمتعت بجوها الجميل وشواطئها الرائعة. أكلت من فاكهتها الطازجة ( رمان وعنب وتين) التي تملأ الشوارع وحدائق المنازل. تعاملت مع أناس طيبين بطبعهم، يشبهوننا إلى حد بعيد في الود ودفء المشاعر والأحاسيس، حتى في استقبالهم لك تشعر بالألفة وعدم الغربة.
بعد فترة من إقامتي بالعاصمة أثينا، إستقليت الباص المتجه إلي مدينة خلكيذا، والتي تبعد عن العاصمة نحو ثلاث ساعات لزيارة صديق مصري، وصلت إلى المكان، نظرت حولي،أمعنت النظر، فذكرت الله وسبحته على ما رأته عيني، واستمتعت به حواسي.
مشهد أكثر من رائع. بيوت ريفية بسيطة في طرازها المعمارى، لكنها تشبه إلى حد بعيد تلك الفلل الأثرية العتيقة، وأمام كل بيت جنينة مليئة بالزهور والفواكه، وسط كل هذا توجد مساحات زراعية شاسعة فيها أعداد كثيرة من الأبقار “الفريزيان” الهولندية الحلوب.
نصف ساعة تقريبا وأنا مستمتع بالتواجد في هذا المكان، تمنيت من الله حينها أن أستقر في خلكيذا للأبد، وما هي إلا لحظات حتى سألت أحد المارة عن عنوان صديقي، وأخيرا وجدته أمامي هو وزوجته اليونانية، استقبلاني أفضل استقبال، بقيت في ضيافتهما يومين من أجمل وأروع أيام عمري، ولأنهما مثقفان ويعرفان جيدا قيمة حضارتنا، فقد أتحفاني بمعلومات موثقة غاية في الأهمية عن فضل قدماء المصريين على الحضارة اليونانية… بصراحة لم أكن أعرفها من قبل.
من ضمن هذه المعلومات، وهذا ما تأكدت منه فيما بعد، أن هيرودوت، المؤرخ اليوناني والملقب بـ “أبو التاريخ”، عندما زار مصر فى القرن الخامس قبل الميلاد، أكد تأثر حضارة بلاده بحضارتنا في أكثر من مجال، ويتضح ذلك في قوله:” لقد جاءت أسماء الآلهة كلها تقريبًا من مصر إلى بلادنا، فـ ” ابوللو” اليوناني، هو نفسه ” حورس” المصري و” ديمتري” اليونانية هي نفسها ” إيزيس” المصرية ،كما أشاد بدور مصر فى الملاحة البحرية، وشق قناة تربط البحر الأبيض بالبحر الأحمر، مستندا في ذلك إلى الرسم الذي شاهده على الجداريات للأسطول المصري فى رحلته إلى بلاد بنط، الصومال حاليا.
وذكر هيروديت أنّ الملك احمس الثاني، آخر الفراعنة العظام في تاريخنا قبل الغزو الفارسي اللعين للمحروسة، هو أول من سن قانونا سنويا للكشف عن مصدر دخل المواطن العادي وحكام الأقاليم والوزراء على السواء، من أين لك هذا فى العصر الحديث، مؤكدا أنّ هذا القانون بالإضافة إلى قانون الضرائب، نقله المشرع ورجل القانون اليوناني سولون أو صولون عام 560 ق.م إلى أثينا.
وأضاف “أبو التاريخ ” ان بلاده نقلت عن مصر عادة “احترام وإجلال صغار السن لكبارهم”، كما نقلت عنها أيضا علوم الطب المصري وتخصصاته المختلفة.
إعتراف هيروديت يتفق تماما مع ما كتبه مواطنه استرابون (مؤرخ وجغرافي وفيلسوف يوناني)، عندما قال ان :”علوم الطب كانت سرًا من أسرار الكهنة المصريين”، مدللا على ذلك بأن” اليونانيين عندما طلبوا شيئا من أسرار المصريين فى معارف الطب، ظلوا يلزمون أبواب الكهان المصريين ثلاثة عشر عاما حتى نالوا مطلبهم”.
الصديق المحترم الدكتور كمال رباح، أستاذ الفلسفة، سبق وأكد لي أن “فلاسفة وعلماء الإغريق أمثال ارسطو وسقراط وافلاطون وفيثاغورث تعلموا أبجديات العلوم في جامعة”أون”عين شمس حاليا، ومن مفارقات القدر أن كهنة ” أون” رفضوا قبول أحد هؤلاء الفلاسفة في بادئ الأمر استنادا إلى أنه” جاء من حضارة منحطة”، لكن وساطة الفرعون، آنذاك، شفعت له بالبقاء في مصر وتلقى العلم على يد كهنتها ومنهم العالم الفذ أمحوتب الذي أنشأ هرم زوسر المدرج، وهو أشهر مهندس معماري وطبيب في مصر القديمة والعالم، وكرم بعد وفاته، وأصبح إلها للطب عند الفراعنة.
في كتابه “التراث المسروق… الفلسفة اليونانية فلسفة مصرية مسروقة” أبدى أيضا الكاتب الأميركي جورج جي ام. جيمس اعتراضه على مصطلح الفلسفة اليونانية أو الإغريقية، مؤكدا أنها تسمية خاطئة، وأن من يُعرفون بفلاسفة اليونان لم يكونوا أصحاب هذه الفلسفة، إنما أصحابها هم الكهنة المصريون وشراح النصوص المقدسة والرموز السرية للكتابة والتعليم، ويوضح ان المصريين القدماء استحدثوا مذهبا دينيا شديد التعقيد سُمِي نظام الأسرار، وهو أول مذهب عن الخلاص بهدف السمو على سجن الجسد، وهذا النظام ظل سريا وشفاهيا يحظر تدوينه لنحو خمسة آلاف عام حتى سُمح للإغريق بالتعلم مباشرة من الكهنة المصريين.
ويضيف جيمس أن الفلسفة المصرية غير المكتوبة التي تُرجمت الى اليونانية القديمة، هي وحدها فقط التي وجدت المصير البائس لتراث سرقه الإغريق، كما أوضح أن” التضليل في حركة الترويج للفلسفة اليونانية يبدو سافرا وفاضحا الى أقصى مدى، وذلك عند الإشارة عمدا الى أن نظرية المربع القائم على وتر المثلث قائم الزاوية هي نظرية فيثاغورث، وهو زعم أخفى الحقيقة قرونا عن أعين العالم. ان المصريين هم الذين علموا فيثاغورث واليونانيين الرياضيات التي عرفوها”، بعد أن أُتيحت لهم فرصة التعلم من الثقافة المصرية.
ما كتبه جيمس يكشف ويفضح أسطورة كبرى ومؤامرة حكمت التاريخ واستبدت بفكر الانسانية حتى أصبحت جزءا من سياسة عالمية امتدت قرونا، لأن مثل هذه الأساطير لبست ثوب الحقائق، وأصبحت مرجعا يُستشهد به ويكتسب قدسية أكاديمية، وبخاصة أن جميع الغزاة ناصبوا الثقافة المصرية العداء القاتل، ولم ينتموا الى مصر تاريخا أو مجتمعا، ولهذا تعمدوا تجفيف منابع الثقافة المصرية المادية والروحية بتدميرها أو نهبها، حتى لو تخفوا وراء أقنعة أيديولوجية باسم الحضارة، ويعرب جيمس عن سعادته لانه استطاع أن يلفت أنظار العالم الى هذه القضية التي يأمل أن تساعد كل من لهم أصول افريقية في التحرر من عبودية عقدة النقص، وان يشعروا بالحرية ويتمتعوا بكل الحقوق والامتيازات الانسانية.
ولأن الشيء بالشيء يذكر، فقد حضرت ندوة مهمة جدا في نقابة الصحافيين منذ عام، لعدد من أساتذة التاريخ للرد على مزاعم وادعاءات وأكاذيب الدكتور يوسف زيدان، وفوجئت بكلام خطير جدا على لسان أحد هم، وهو الدكتور خالد حربي، أستاذ المخطوطات بجامعة الإسكندرية، عندما كشف عن سطو فطاحل علماء الغرب على الميراث العلمي
للعلماء المصرين والعرب بالحجة والبرهان ومنهم نيوتن وهارفي وأشتال وقسطنطين الأفريقي “اللص الوقح”،هكذا يسميه علماء الغرب أنفسهم، واللصين: توماس الأكويني ودانتي.
ويوضح حربي أن المخطوطات هى الوحيدة التي تكشف مثل هذه السرقات، وأن ذلك يفسر لنا سر نهب الغرب مخطوطات الشرق، أو حرقها فى كل الحملات العسكرية الغربية على المنطقة، بداية من حملات الاسكندر الأكبر، مرورا بحملات هولاكو على بغداد عام 656 هجرية، والذي استخدم هو الآخر تلك المخطوطات والكتب كجسور لعبور جنوده نهر دجلة، وانتهاء بنهب الأميركان للكنوز العراقية، مؤكدا أن المدعو شامبليون الفرنسي الملقب بعالم الاثار، ليس هو أول من فك رموز اللغة الهيروغليفية، إنما صاحب هذا الاكتشاف هو العالم العربى ابن وحشية النبطي، الذى عاش في القرن الرابع الهجري، القرن العاشر الميلادي،وتوصل إلى هذا الاكتشاف قبل شامبليون بـ 1000 سنة تقريباً.
هذه هي مصر التي سقت أشهر علماء العالم وفلاسفته العلم في ماعون المحبة والتعاون، ليس بملعقة الابتزاز والاذلال والهيمنة، فقديما قالوا: إن الفضل ما شهد به الآخرون، وقد شهد علماء العالم المنصفين للتاريخ بفضل الحضارة المصرية على حضارات العالم أجمع، ومن هؤلاء عالم المصريات الأميركي جيمس هنرى بريستد في كتابه “فجر الضمير”، وكتاب “الفن والحياة فى مصر الفرعونية” تأليف العالمة الفرنسية كلير لالويت، وثالث بعنوان “المرأة فى زمن الفراعنة” أيضا لعالمة فرنسية كبيرة، وهي كريستيان ديروش نوبلكور، ورابع بعنوان “مصر والمصريون” تأليف دوغلاس جي بروير وايميلي تويتر، وخامس بعنوان ” السحر والسحرة عند الفراعنة” تأليف إيفان كونغ، وسادس بعنوان”حكايات حب وبطولات فرعونية” تأليف فيولين فانويك، وسابع بعنون” الأساطير المصرية” تأليف دون ناردو، وثامن بعنوان”أخناتون وديانة النو” تأليف إريك هورنونغ.

صحافي مصري

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.