روائي يدين بالفضل لكل من قرأ له عملاً أو كتب عنه

مصطفى البلكي: أحتاج عيناً ثالثة ترشدني إلى الطريق روائي يدين بالفضل لكل من قرأ له عملاً أو كتب عنه

القاهرة – شروق مدحت:
نال عدداً من الجوائز، منها أفضل رواية من الهيئة العامة لقصور الثقافة 2006، جائزة احسان عبد القدوس في الرواية 2008، جائزة ساقية الصاوي في الرواية 2012، وغيرها. استطاع أن يشكل عالما خاصا به، ليشكل شخصيته المليئة بالخفايا والأسرار، متأثرا بسحر لغة يوسف السباعي ونجيب محفوظ، فكتب راوية «تل الفواخير «.
حول مشواره الأدبي، آخر أعماله، تأثره بنشأته في أسيوط، جنوب الصعيد، . التقت « السياسة «، الروائي مصطفى البلكي، في هذا الحوار
– كيف بدأت رحلتك الأدبية مع الكتابة؟
* كل شيء يكون بوجود صلة تكون بمثابة الرابط الذي لا ينقطع، الصلة هنا كانت الحكايات التي تقصها جدتي لي بعد أن يسود الظلام واتدثر بالأغطية، كنت لا أستطيع منع خيالي أن يغادرني، كان يجعلني رفيقا لأطياف أبطال الحكايات، كنت أحمل تلك الحكايات لرفاق الطفولة، أعيدها فتكون أحيانا طبق الأصل، أحيانا أضيف لها أجزاء تتوافق مع الخيال الجامح الذي كان يرافقني.
– هل تأثرت فقط بحكايات الجدة؟
* لا، حينما عرفت قدماي مكتبة مدرسة ناصر الثانوية العسكرية، انتقلت من مرحلة الحكي الشفاهي إلى الحكاية المدونة، غرقت في بحر محمد عبد الحليم عبد الله، توفيق الحكيم، يوسف السباعي، سحرتني اللغة التي يكتب بها يحيى حقي، حينما دخلت عالم نجيب محفوظ، أدركت أن الكتابة بكل سحرها هي قدر لبعض الناس، توجدهم الكلمة ليكونوا في محرابها، يصنعون سعادتهم وسعادة من يتلقي عنهم تلك الكلمة، من وجد في هذا العالم سيكون في لحظة قدرية أمام حدث يغير كل شيء بداخله، يجعله أمام شاطئ يستقبل الماء ليتغير.
– لماذا ذكرت أنك صنيعة الجدة والأم؟
* الموهبة لا تعني أن تكون صاحب جملة رشيقة وخيال خصب، لكنها في المقام الأول تعني أن يكون المبدع مدركا لجذوره، اذا أدرك وتأمل، كان في مقدوره أن يتحرك في طريق به العلامات الواضحة، أول تلك العلامات أن يعترف بصاحب الفضل عليه، أدركت المعني الصحيح للحياة في كنف جدتي لأمي، التي علمتني أنه ما زال هناك متسع للحكاية التي تخصنا ما دمنا نعيش بقلب ينبض وعين تري، صحيح تلك الحقيقة بها الكثير من القسوة لأننا سنعيش الحزن بنفس الروح التي تتقن سرد كل شيء لكنها هي الحياة، نفس ما وجدته من أمي، تلك المرأة التي منحتني درسا في الحب حينما طبعت أول عمل لي، أمي لا تجيد الكتابة ولا القراءة، والدي مات منذ زمن بعيد، حينما طبعت أول كتاب، أصرت أمي أن أضع اصبعها على اسمي ثم اسم والدي، حينما علمت بأن الاسم التالي اسم العائلة، بكت، لم أستطع اسكاتها.

عالم القرية
– ما مدي تأثير عالم القرية على حياتك الابداعية؟
* حياة المبدع تقوم على الرؤية، فهو يمتلك الكاميرا التي تدرك أدق تفاصيل العالم الذي ينتمي اليه، لذلك حينما يكتب سيكون خاضعا لقوانين هذا العالم، حتى لا ينتهي وجوده، لابد أن يظل قابضا على جمرة السؤال، أنا ما زلت أعيش في عالم القرية التي أنتمي اليها، من حسن حظي أن قريتي ما زال بها الكثير من التقاليد، العادات، الطرز المعمارية المميزة لها، كل واحد فيها يردد المقولة التي أؤمن بها، من لا ذاكرة له لا حياة له، كل شيء فيها يداعب خيالي، بل يصرخ في، لم يعد من بشر فيها الا ويحمل قصة، دائما أقول يا ليتني أمتلك ترف الوقت، لجمعت كل الحكايات وحفظت لذاكرتي وجودا تلمسه كل عين.
– ما الرواية التي افتتحت بها مشوارك الأدبي؟
* «تل الفواخير»، كانت روايتي الأولى، حينما شاهدت البيت الذي تربيت فيه وهو يتحول لأثر بعد عين، مر أمامي شريط من الذكريات المرتبطة بالبيت، صوت واحد راح يتبعني « احذر من استنفاد ذكرياتك»، لأن الحكايات المسجونة في الصدر بمثابة بضاعة كاسدة، أمسكت بالقلم، تلك اللحظة هي التي اختارت وقتها، كنت كمن يحلم، مع الحلم رحت أبتعد عن الواقع الذي أعيشه، لاصنع عالما يروق لي.

العهر الفكري والجسدي
– كيف جاءت فكرة رواية «جلنارة حمراء «؟
* ستصدر قريبا، هي محاولة لاجابة عن سؤال كثيرا ما راودني، أيهما أكثر ضررا العهر الفكري أم العهر المرتبط بالجسد؟، فيما بعد حينما يتاح للمرء حياة جديدة، هل سيكون كالدجاجة التي تنبش في الأرض من أجل البحث عن شيء قد يسعدها أو يسبب لها الأذي، هي رواية السؤال الذي نجد له اجابة من أبطال الرواية، ربما سيدخل القارئ أيضا في نفس الجب في نهايتها.
– لماذا رفضت ترجمة الاصدارات للغة العبرية؟
* الغزو الثقافي هو الأخطر على الأمم، لأنه بمثابة احتلال من دون حروب، هو نمط حياة سرعان ما تفرض وجودها تماما، كما يحدث الآن للدراما الهندية التي غزت الشاشات، أما من يقول بالترجمة ندرك ونعرف كيف يفكرون، أقول له تلك الأمور تقوم بها أجهزة تتعامل مع الحالة بمهنية.
تحفة الجبرتي
– ما أبرز الصعوبات التي واجهتك في كتابة «نفيسة البيضاء «؟
* حظيت نفيسة بعدة أسطر في تحفة الجبرتي « عجايب الآثار في التراجم والأخبار»، ما وجد عنها كان قليلا، لكن كان لا بد أن أكمل، لأن ما وجد كان بمثابة اللؤلؤ الذي لم يستطع الكتاب أن يمنحني الكثير منه، وجدت ضالتي في لوحات المستشرقين، عالم واسع به الكثير من صور الحياة خصوصا في القرن 18، و19، الحرملك كان عالما مغلقا، صبرت وأتقنت قراءة اللوحات بتفريغ مكوناتها، كنت لا أسير فقط مع ما يتوافق مع تفكيري، كنت أقبل كل شيء يخالف الواقع، تلك اللوحات أخرجت لي روح المرأة التي عاشت في هذا العصر، لم أتخل عنها ولا عن مذكرات الرحالة الذين مروا على مصر في تلك الحقبة.
– لماذا وقع اختيارك على هذه الشخصية التاريخية؟
* أسماء النساء اللاتي وجدن في كتاب الجبرتي عددهن قليل، نفيسة كانت ترجمتها رغم قصرها الا أنها ملفتة، بدأت بالبحث عنها، رويدا رويدا بدأت أدرك قيمتها، حينما استقامت أمامي بكل ما حدث لها، أدركت أنها تعرضت لمحنتين، في الحالتين كان عليها أن تختار بين صوت العقل وصوت القلب، تلك المحنة نمر بها جميعا.
– لماذا ذكرت أن الرواية الكلاسيكية تفتن وتسحر كل من يطرق بابها؟
* جميعنا حينما بدأ القراءة، بدأ بالرواية الكلاسيكية، أحببنا واقعيتها، لمست شيئا ما بداخلنا، لأن كل واحد منا وجد نفسه بطريقة أو بأخرى شيئا ما يشبهه، حتى ان لم يجد فقد وجد المتعة في اللغة، على أساس أن الابداع السردي ما هو الا تشكيل لغوي.
– ما الأساسيات التي تحكم علاقة المبدع بالمتلقي؟
* علاقة منتج سعادة ومستهلك لها، بشروط المبدع، ليس بشروط الموجات التي تظهر وسرعان ما تختفي، الكاتب لا يخضع لارادة المتلقي حينما يكتب، انه يخضع لسلطة شخوصه، يوجدهم ويوجد سعادته، فيما بعد سيجد القارئ سعادته أيضا، لكل عمل قارئ معين.
– هل تختلف طريقة الابداع في كل رواية عن الأخرى؟
* نقول دائما، كل عمل يختار الشكل الذي يكتب به، أتعامل مع العمل على أنه بحث لابد من الاستعداد والتخطيط له، معرفة الخطوط العريضة له، لكن لا يمنع هذا من ظهور خطوط فرعية أثناء الكتابة، قد تدفعني لألغي خطا حتى يوجد ويكون، أثناء الكتابة أتابع كل شيء بدقة، الجمال يسكن التفاصيل الصغيرة التي تظهر، تلك التفاصيل هي من تمنح العمل روحا.
– هل أبطال أعمالك شخصيات حقيقية أم من الخيال؟
* دائما أنطلق من الواقع، عملية الكتابة كما أقول، نتاج تزاوج عالم الداخل اللاوعي والخارج الواقعي، في لحظة كسر الحاجز بينهما، يولد عالم ثالث، ليكون الحياة التي نريدها، أو التي نراها تصلح لنا ولغيرنا.
– من تلجأ اليه لمعرفة رأيه في كتبك؟
* دائما المبدع في حاجة لعين ثالثة ترشده، حينما أنتهي من العمل، لدي بعض الأصدقاء ممن أثق فيهم، في كثير من الأحيان تكون ملاحظاتهم في محلها، تنير لي الطريق مرة أخرى، أجعل من طاقة رؤيتهم بداية لسد بعض الثغرات، النور دائما بداخل الجميع، قلة منا تدركه.
– من أكثر الأدباء الذين تأثرت بهم؟
* من يضئ لا ينسي، أصحاب الفضل في مقدمة هؤلاء، بعيدا عن الرواد، في أسيوط الشاعر درويش الأسيوطي، المبدع زكريا عبد الغني، الراحل شحاتة عزيز، جيل الشباب من أدباء أسيوط، على رأسهم الدكتور محمود فرغلي، من خارج أسيوط الكثير من المبدعين، كل من قرأت له عملا أدين له بالفضل، كل من كتب عن عمل لي، أدين له بالفضل، كل قارئ قرأ لي عملا، أدين له بالفضل.
– ما أكثر كتاب استطاع ان يترك بصمة بداخلك؟
* بعد كتاب الله، هناك الكثير من الكتب تركت بصمتها، ما من كتاب الا وترك شيئا بداخلي، لكن حينما قرأت «اللقيطة» لمحمد عبد الحليم عبد الله، ظللت لأيام أتعجب من تلك القسوة، هناك ملحمة «الحرافيش» لنجيب محفوظ، أغلب أعمال البساطي، قصص محمد المخزنجي، «صح النوم « ليحيى حقي، «عرس الزين « للطيب صالح، حتى الآن كل كتاب لا بد أن يترك شيئا ما بداخلي، لأن القراءة مصدر الوعي الأول.
– ما أبرز طقوسك في الكتابة؟
* نجاحي يكمن في المداومة على الكتابة، فالكتابة فعل حياة، لذلك تستمد وجودها ومفرداتها من الحياة، توجد نفسها في أي وقت، دائما أحمل دفترى وأقلامي في حقيبتي، الكتابة من غيرهما لا معني لها، أجد نفسي أمام شاشة الجهاز تائها، كأنني أطارد سرابا في صحراء شاسعة، أنا في حاجة لصلة لكي أكون متوافقا مع اللحظة، الورقة والقلم يفعلان هذا.
– كيف ترى الحركة الثقافية في مصر؟
* حركة أكثر فاعلة في الأطراف، لكنها بعيدة عن الاعلام، في كثير من الأوقات تتحول لديكور لدي المؤسسة الرسمية.

الشللية والمثقفون
– ما أهم المشكلات التي تواجه المثقفين في مصر؟
* المشكلات كثيرة، لكن الآفة تكمن في «الشللية»، في كثير من الأوقات تكون المبالغة في الحديث عن عدد معين من الأدباء « بابا خلفيا»، كي توصد كل الابواب والشرفات الأخرى، دائما هناك لافتة يمسكون بها «لا تستعجل المشي فهناك ما هو مقدر له»، يقولون هذا بينما الأيدي تفتح لأهل الحظوة أو من هم في جوقتهم، مع الوقت يصاب بعض الذين يقبضون على جمرة الابداع باليأس، يهاجرون للداخل ثم يفضلون العزلة، بعد فقدهم الدفء الذي يستحقونه، هناك فئة رغم هذا الجو المشحون يقاتلون وهم واثقون في موهبتهم، أظن أن تلك الحالة ستستمر لأن الحياة منذ أن وجدت، قائمة على المصالح المتبادلة في كثير من جوانبها.
– أين ترى نفسك بعد مرور عشرة أعوام من الآن؟
* أنا ابن اللحظة، تلك أملكها، أجتهد فيها، لا أتنازل عن حقي فيها، لصالح الاهتمام الزائد بالغد، صحيح اليوم هو خطوة للغد، لكن أنا أهتم باللحظة، لا أخوض أية معارك من أجل تلك المكانة، أسعى بكل طاقتي حتى لا أفقد ثقتي بنفسي.
– ما رسالتك للقارئ؟
* أنا أنقل له الجمال، عليه أن يقرأ مفرداته بطريقته الخاصة.