مصير سورية أم مصير الأسد؟

أحمد عبد العزيز الجارالله

لا تزال المعارضات السورية في الخارج تتوهم قدرتها على تحديد مصير الرئيس بشار الأسد، ولم تقتنع بعد سبع سنوات أنها خسرت الحرب عندما لم تحقق الآمال الكبيرة التي زرعتها في مخيلة السوريين، بل أدت بهم إلى التشتت في العالم، وسقوط الملايين بين قتيل وجريح، ودمرت البنية التحتية، فيما الحرية وتغيير النظام اللذان كانا مطلبها أصبحا مجرد حلم ليلة صيف.
اليوم، وإذا صدقت توقعات مراكز الدراسات العالمية والمراقبين أن تكلفة إعادة إعمار سورية تبلغ 350 مليار دولار، فمن سيتحمل هذه المسؤولية، وهل تملك المعارضات الموجودة في القاهرة واسطنبول والرياض وموسكو القدرة على جذب رؤوس الأموال لإعادة البناء، أم ستكون على شاكلة الأنظمة الثورية العربية التي رسمت أحلاماً وردية لشعوبها بالحرية والرخاء والتقدم حين انقلبت على الحكم في بلادها، وفور إمساكها بالسلطة تحولت زمرة فاسدة تجمع الثروات وتقمع المعارضين بحجة رص الصفوف لمواجهة المؤامرات من الخارج؟
ثمة مثل خليجي يقول: “امسك مجنونك لا يجيك الأجن منه”، وهنا نسأل: ألم يكن الأفضل لسورية أن تبقى على استقرارها بدلاً من هذه الحرب التي منذ سبع سنوات تزداد المعارضة المسماة معتدلة ضعفاً لمصلحة الجماعات الإرهابية، ويرتفع عدد اللاجئين والقتلى والجرحى، فيما لم نسمع من معارضات الفنادق المتعددة المنصات أنها التفتت إلى شعبها الذي من المفترض أنه حاضنتها إذا كانت فعلاً صادقة في موقفها، بل رهنت مصير الدولة ككل بمصير شخص واحد؟!
لنفترض أن الدول المعنية بالشأن السوري رضخت لمطلب تلك المعارضات في شأن بشار الأسد، والحقيقة أن غالبيتها تخلت عن شرط رحيله، فهل تستطيع أن تتوحد على نظام معين يخلفه، أم ستترك الامر لـ”فتح الشام” أو “داعش” أو “حزب الله” والميليشيات الإيرانية، وبالتالي تصبح سورية صومالاً أخرى أو أفغانستان “طالبانية” ثانية؟ أوليس كل فصيل من هذه الفصائل يتهم الآخر بالانبطاح للاستعمار والصهيونية وغيرها من الاتهامات حتى أصبحت كلها منبطحة؟
صحيح أن النظام الحالي حكم سورية منذ 47 عاماً، وكان يحتاج إلى إصلاح بنيوي جذري، لكن ذلك لن يتم بتدمير البلد الذي رغم قمع الحريات فيه كان آمناً مستقراً، ولديه حركة اقتصادية نشطة، بل وصل إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي الغذائي، وكان من البلدان القليلة في العالم غير المديونة للخارج.
مأساة الشعب السوري تذكرني بقصة أسماء بنت أبي بكر مع الحجاج بن يوسف، إذ حين صلب الأخير ابنها عبدالله بن الزبير في مكة، خرجت أسماء بنت أبي بكر(رضي الله عنهما) إلى الحجاج قائلة:” أما آن لهذا الفارس أن يترجل (تقصد ابنها عبد الله)؟ واليوم نسأل هذه المعارضات: ألم يحن الوقت كي يترجل الشعب السوري عن صليب المأساة، أم أن سكان الفنادق لا يرون معاناة سكان المخيمات، لذلك هم مستمرون بالمطالبة بتحديد مصير بشار الأسد عبر محاربة طواحين الهواء بالبيانات؟