سوق يتحكم فيها المحترفون لترويج المؤلفات الهابطة وتلميع الفاشلين

معارض الكتب… مواسم لبيع البضائع الفاسدة والنتاج الرخيص سوق يتحكم فيها المحترفون لترويج المؤلفات الهابطة وتلميع الفاشلين

أمير حسين: تخدم صناعة الكتاب وهي فرصة للتعاقدات على التبادل الثقافي بين الدول
محمود أمين: كشفت عن ظهور أنواع جديدة من الابداع.. وكسر تابوهات كان مسكوتا عنها
محمد الصفتي: لا يجب الاعتماد عليها فقط نظرا لمحدوديتها ولابد من فتح نوافذ جديدة تتميز بالاستمرارية
أهداب حوارنة: أصبحت « موسم بيع المحصول» تتبارى فيها دور النشر لترويج منتجاتها السيئة قبل الجيدة
ايمان الدواخلي: تحولت على يد «فرسان التسويق المحترفين» من معرض ثقافي إلى سوق للكتب فقط

القاهرة -أمل زيادة:

في ظل رواج الكتب والاصدارات الورقية، وفقد المطبوعات الورقية الثقافية بعض بريقها، يحاول الناشرون البحث عن وسائل تمكنهم من عودة الكتب المطبوعة إلى حيز الاهتمام كما كان الحال في الماضي، وتعد معارض الكتاب التي تقام في أغلب الدور العربية والأجنبية أهم هذه الوسائل، لكن هل استطاعت هذه المعارض أن تحرك المياه الراكدة وتعيد للكتاب الورقي أهميته؟
حول مستقبل الأدب والثقافة، صناعة الكتاب، مشكلات النشر، دور المعارض الدولية والمحلية في الواقع الثقافي، الدور الذي يلعبه النشر الاليكتروني، أجرت «السياسة»، هذا الحوار مع بعض الكتاب، الناشرين، النقاد، ليدلوا برأيهم في هذه القضايا.
يرى الكاتب أمير حسين، أن معارض الكتاب تعد الحدث الثقافي الأكبر في مصر والعالم العربي، رغم تأثره كثيراً بالظروف السياسية في البلاد، الا أنه يحتفظ برونقه والأقبال عليه يتباين من عام لآخر، موضحا انه يخدم صناعة الكتاب، اذ يعد فرصة للتعاقدات على التبادل الثقافي، عبر الوكلاء والمكتبات، عبر الدول المشاركة بالمعرض ما يساعد على الانتشار واتساع رقعة القراءة، متمنيا وجود معرض خاص لكل محافظة وبلدة في الدول العربية على مدار العام.
وعن علاقتها في مصر بالواقع الثقافي يشير بأن معارض الكتاب تعد بلا شك محفلا ثقافيا مهما، لكن الوضع الثقافي في مصر متباين، متهما دور النشر بأنها تهتم بتحقيق الربح على حساب الكاتب، بدفعه للنشر على نفقته الخاصة، ما أغري الكثيرين لدخول هذا المجال فظهر ما يسمي بدور نشر « بير السلم «، خصوصا مع اعطاء الجهات المسؤولة التصاريح لدور النشر بسهوله، دون شروط تتعلق بقدرة الدار على النشر من الناحية المادية والتمويل أو حتى من ناحية وجود لجنة صالحة للاختيار من بين ما يقدم للدار من أعمال، لافتا أن ارتفاع أسعار النشر والطباعة سيؤدي لاحقا ًالي اختفاء مثل هذه الدور، لعدم قدرتها على النشر بسبب ارتفاع مستلزمات الطباعة، مطالبا دور النشر «المحترمة» بايجاد حلول عملية لمواجهة مشكلة ارتفاع أسعار الكتب، حتى لا يلجأ القارئ للكتب «المضروبة» ما يكبدها خسائر فادحة.
ويؤكد أمير بأن المستقبل الثقافي المصري في خطر، محذرا من انحسار الأقلام الموهوبة أمام أنصاف الموهوبين، لأن الموهوبين لا يحققون نجاحاً ملحوظا ًعلى مستوى المبيعات، ما يصيبهم باليأس من النشر، وليس الكتابة، ما يفسح المجال لنشر أعمال تساهم في غياب وعي القارئ.
ميلاد جديد
يرى الكاتب الدكتور محمود أمين، أن معارض الكتاب أشبه بالترمومتر يقيس حال الوضع الثقافي سواء في مصر أو غيرها، فمثلا من تجول في معارض الكتاب الأخيرة سيكتشف من خلالها ظهور الكثير من الفنون التي لم تكن منتشرة من قبل، مثل، أدب الرعب الذي كان يعتبر أدبا من الدرجة الثانية، لكنه صار الآن من أكثر ألوان الأدب الممتعة لدى القراء، كذلك الرواية الرومانسية الاجتماعية، التي ربما تناقش بعض القضايا السياسية، كما كشفت معارض الكتاب في السنوات القليلة الماضية عن وجود مساحة أكبر من الحرية في الكتابة، أدى لظهور كتابات كسرت بعض التابوهات التي كان محرما الحديث عنها من قبل، وهو ما سيكون مفيدًا في المستقبل عندما تتشكل التجربة الجديدة وتظهر ملامحها التي بدأت بالفعل في الظهور.
هذه المعارض أيضا فضحت عيبا من أكبر عيوب النشر في مصر، هو النشر على حساب الكاتب ويظهر ذلك في مضمون هذه الكتب التي تولت طباعتها بعض دور النشر التي لهثت وراء نقود الكاتب دون النظر في المضمون، ما أدى إلى وجود الكثير من الكتب التي تعتبر اهدارًا للحبر والورق، بشكل يجعلنا نتساءل عن ذنب الشجرة التي تم قطعها لعمل الورق الذي يطبع عليه هذا الهراء، منتقدا حرية النشر التي تحولت إلى نشر من أجل أشياء غير فنية وغير أخلاقية، مطالبا الهيئة العامة للكتاب بتوفير مطابع لدور النشر بالتقسيط، توفير مواد الطباعة بأسعار أقل ما يقلل من سعر الكتاب، اعادة فتح مصانع الورق المصرية التي تم اهمالها وغلقها لصالح مافيا استيراد الورق، محاربة الكتب المزورة التي تكبد الدولة ودور النشر خسائر هائلة، مؤكدا أن المزورين وعناوين مطابعهم معروفة للجميع، لكن لا أحد يجرؤ على الاقتراب منهم.
وعن تأثير النشر الالكتروني على الورقي يوضح بأن الالكتروني، يكون مفيدًا لمن لم يجد طريقة مناسبة للنشر الورقي لكنه يحتاج أيضا إلى دعاية، مشيرا إلى أنه نشر رواية الكترونيا فلم يلتفت اليها أحد، لكن عندما نشرها ورقيا تهافت عليها الكثيرون، مبديا تعجبه لهذا الأمر.

معايير النشر
يطالب الكاتب محمد الصفتي، بمنظومة تعاون بين أجهزة الثقافة بالدولة لايجاد منافذ توزيع للكتب بالمحافظات والميادين الرئيسة، وعدم الاقتصار فقط على معارض الكتاب نظرا لمحدوديتها، لأن فتح منافذ لتوزيعها بشكل دائم تتيح للقارئ الوصول للكتاب أينما كان محل سكنه، كذلك تفعيل خدمة توصيل أكثر فعالية عن طريق المكتبات ودور النشر، كحل وسط، يسهل عملية وصول القارئ لكتابه الذي يرغبه، ناصحا القارئ بالتنوع في القراءات للعيش في عوالم مختلفة، ألًا يصير تابعًا لمجموعة بعينها أو شخص معين، أن لا يقرأ قبل أن يحصل على ترشيح من آخرين.
ويبدي الصفتي سعادته بحالة الزخْم التي يشهدها الوضع الثقافي المصري في السنوات الأخيرة، بسبب تأسيس عشرات من دور النشر التي تكشف عنها معارض الكتاب بسبب مشاركتها فيها، ورغم عيوب البعض منها، لكنها فتحت بابًا ظل مغلقًاً لعقود أمام مبدعين حقيقيين، لا يجدون الفرصة لنشر أعمالهم، في ظل قصر دور النشر التقليدية على أسماء بعينها، كما قامت بدور كبير في اعادة طباعة تراث النصف الأول من القرن العشرين كان لافتا للنظر في معارض الكتاب التي أقيمت في السنوات الأخيرة.
شهرة الكاتب
ومن خلال احتكاكها بمعارض الكتاب في مصر، تصف أهداب حوارنة، الكاتبة الفلسطينية، الوضع الثقافي بأنه في أسوأ أوضاعه، مضطرب، مرتبك، ضبابي، من أهم وأبرز عيوبه، كثرة دور النشر التي تعمل بمقابل مادي، معتمدة في الأساس على مدي شهرة الكاتب، كثرة متابعيه على السوشيال ميديا، دون أن تهتم بالمحتوى الذي تنشره، ما ساهم بشكل كبير في علو نجم من» يتهجي « الكتابة على أخر يستحق الظهور، مطالبة القائمين على صناعة الكتاب والشأن الثقافي بالاهتمام أولاً وأخيراً بالمحتوى الذي يستحق النشر وتحويه معارض الكتاب، تشكيل لجان رقابية لمراجعة ومحاسبة دور النشر التي ملأت السوق الأدبية بكل « غث»، ناصحة القارئ الا ينجرف خلف الدعاية، لأنه ليس كل ما يروج له جيد.
وعن رؤيتها للنشر الالكتروني قالت: هذا النوع من النشر سلاح ذو حدين، فهو يضمن الاستمرارية وسرعة الانتشار، لكنه يعرض الكتب لانتهاك حقوق الملكية الفكرية والأدبية، لسهولة نسخه والتعديل عليه، موضحة أن معرض الكتاب أصبح « موسم بيع المحصول «، مكان تتجمع فيه مئات الألاف من الكتب، تتباري من خلاله دور النشر في ترويج منتجاتها السيئة قبل الجيدة.
النقد والابداع
ترى الدكتورة ايمان الدواخلي، الكاتبة والناقدة، أن معارض الكتاب تميزت بكثرة الاصدارات وهو أمر يصب في صالح الثقافة والمجتمع، اذا ما كانت دور النشر والمكتبات الكبيرة «غربالاً» يتخير الجيد، لكن ما يحدث الآن مهزلة تتسق تماماً مع عبثية المشهد المجتمعي الذي نعيشه، حيث تشهد الساحة الثقافية تجارة لبيع الورق وليس الكتب، فالمكتوب لا يهم أحد، انما الورق الأصفر المنفوش، الغلاف الديجيتال، أرباح المستوردين، أحياناً أسماء المصممين، ذلك ما يتنافس السوق فيه وليس الأدب.
الكاتب الناجح هو من حقق هدفه، فمن كان هدفه الشهرة وحققها فقد نجح، من كان هدفه المبيعات وحققها فقد نجح، من كان هدفه تطوير نفسه والاستمرار، رغم كل موبقات الساحة وصمد، حتى ولو لم يصبح نجما مشهورا وحقق مبيعات فقد نجح، لأن مقاييس النجاح تختلف من شخص لآخر. في النهاية مجتمعنا بكامله في حالة فشل واحباط، لا يعول معها على أي نجاحات فردية مؤقتة، منتقدة معرض الكتاب الذي سمح أن يركبه «فرسان التسويق المحترفين»، لذا فقد تحول من معرض ثقافي إلى سوق للكتب فقط، فقد خلا من الفاعليات الثقافية المؤثرة التي توجه العقول، بعدما فشلت محاولات هيئة الكتاب في اقامة بعض الفاعليات المهمة، ما أقيم منها كان بعيدا كل البعد عن الشباب.
قوة شرائية
أما الناشر عبد الله شلبي، فيربط بين الحالة الاقتصادية وبين معارض الكتاب التي تقام مؤكدا أن معرض الكتاب هذا العام، يعد من اسوأ المعارض، على الاطلاق، بسبب تردي حالة البلاد والمواطن الاقتصادية، ما أثر سلباً على الشراء والتوزيع، مشيرا إلى أن تعدد دور النشر، المفرط فيه، يضر بسوق التوزيع، يسئ لصناعة الكتاب، يضر بالثقافة بوجه عام، مطالبا بتشكيل اتحاد أو رابطة، تضم كل دور النشر الحديثة، التي لا يتعدي عمرها العشر سنوات، تحت كيان واسم واحد، يتم اختيار رئيس لها بالانتخاب، بحيث يتم توحيد الجهود في التوزيع، عن طريق تشكيل قوة شرائية وتوزيعية في مواجهة الدور والمكتبات الكبري، يكون لهم مطبعة واحدة، ملك لهم، يتم الطباعة فيها، وفق جدول يتم وضعة بين الأعضاء بالتراضي.
أرقام الايداع
تشير الناشرة والكاتبة «آية سعد الدين»، إلى أن الأقبال على معارض الكتاب مؤخراً لم يكن كالمعتاد، بسبب ارتفاع أسعار الكتب، سوء الأحوال الاقتصادية في مصر، موضحة ان أبرز العيوب التي تواجهها، كناشرة، هي الحصول على أرقام الايداع، اذ يتم الحصول عليها عن طريق القيد يدوياً في الدفاتر، ما يتسبب في أخطاء فادحة، كأن يصدر أكثر من كتاب يحمل نفس العنوان، يتم تدوين رقم الايداع خطأ، مطالبة بالتغلب على تلك المشكلات التي تسبب للناشرين احباطات لا نهاية لها.
توزيع بالمجان
من جانبها ترى الناشرة والكاتبة المصرية، جيهان اسماعيل، المقيمة بليبيا، أن الوضع الثقافي العربي سوف يستقر باستقرار البلاد العربية المضطربة سياسياً مطالبة بتنظيم المعارض، الندوات، الأمسيات الثقافية للقري والمحافظات، والا تقتصر على القاهرة والاسكندرية فقط، كذلك يجب محاربة الارهاب بالكتب، واذا عجز الناس عن الشراء يتم توزيعها بالمجان أو بأسعار زهيدة.