معالي وزير التربية… أنت مخطئ بقايا خيال

0

يوسف عبدالكريم الزنكوي

يبدو أن حكومة دولة الكويت تظن –وأغلب ظنونها هذه الأيام آثام- أن كل من يحمل شهادة الدكتوراه يصلح لأن يكون وزيراً للتربية، وهذا خطأ، لأن المغفور له بإذن الله الشيخ عبدالله الجابر كان رئيساً للمعارف، ثم وزيراً للتربية والتعليم لسنوات طويلة، كان التعليم خلالها في أزهى وأبهى عصوره في الكويت، حتى فاض بهاؤها وزهوها على دول خليجية وعربية عدة. لهذا أقول: لو كنت في مكان وزير التربية الدكتور حامد العازمي لقدمت استقالتي بعد تصريحه الغريب والمتناقض حول الدروس الخصوصية. لأنه في رده على سؤال برلماني لنائب رئيس مجلس الأمة عيسى الكندري، حمّل أولياء الأمور والطلبة والمعلمين مسؤولية تفشي ظاهرة الدروس الخصوصية، قائلا إن هناك 9 أسباب رئيسة لظاهرة الدروس الخصوصية ليس من بينها العملية التعليمية أو المناهج. كيف ذلك يا معالي الوزير؟ إنت من صجك؟
منذ أكثر من مئة عام والقائمون على العملية التعليمية وطرق التدريس أكدوا مراراً وتكراراً أن الطفل أو التلميذ أو الطالب له طبائعه واحتياجاته الشخصية، وله رغباته وميوله الخاصة، يجب على القائمين على المناهج الدراسية أن يولوها الاهتمام الكافي من السنوات الدراسية الأولى، والعمل على رعايتها وصقلها وتنميتها حتى يصل الدارس إلى درجة التخصص. أما في وزارة التربية الكويتية اليوم فهم بما بين أيديهم فرحون، إذ نجد أن أي مفتش، ولنأخذ مفتش مادة الرياضيات، للمرحلة الثانوية، على سبيل المثال لا الحصر، يعرف وهو جالس على كرسيه في إدارة التفتيش العام لمادة الرياضيات في المبنى الرئيس لوزارة التربية، أنه في الساعة الفلانية يدرس المدرس الفلاني الجزء الفلاني من الباب الفلاني من كتاب الرياضيات الخاص بالمرحلة الثانية الثانوي للفصل الفلاني في الثانوية الفلانية.
هذا المفتش وغيره من الجيش الجرار من المفتشين المسؤولين كلياً أو جزئياً عن المناهج الدراسية الموحدة لكل مرحلة من المراحل الدراسية، يظنون أنهم بهذا النظام يستطيعون إيصال نفس المعلومة إلى آلاف الطلبة والطالبات في وقت واحد، من دون مراعاة للفروقات الفردية بين كل تلميذ وآخر، ولا يعيرون الميول الشخصية التي تختلف من طالب إلى آخر، ولهذا، نجد أن هناك من لا يميل إلى مادة الرياضيات ولا يحبها، فيضطر من أجل تحسين علاماته إلى الاعتماد على المدرس الخصوصي. فهل يعقل أن يميل كل طلبة الثانوية إلى كل المواد الدراسية بنفس الدرجة من الإقبال، حتى صار كل الطلاب يتلقون نفس الكمية العلمية التي يتلقاها الآخرون سواء كانوا طلبة أو طالبات؟ وهل يعقل أن نلقي اللوم على أولياء الأمور حتى لو كانوا أميين؟ أو نلقي اللوم على المدرسين أو المعلمين، وما هم إلا أدوات نقل للمعلومة العلمية، ووسطاء بين التلميذ والمفتش أو بين الطالب وواضع المنهج المدرسي، ولا يستطيع هذا المدرس أن يغير أي شيء في هذا المنهج؟ وهل يعقل يا معالي الوزير أن تلقي اللوم على الطالب في لجوئه إلى الدروس الخصوصية وهو كاره لهذه المادة ولا يميل إليها؟ أليس هناك طلبة في الثانوية العامة حصلوا على علامات كاملة في المواد العلمية، بينما اعتمدوا على مدرسين خصوصيين لتحسين درجاتهم في المواد الأدبية؟
معالي الوزير دعني أسرد عليكم هذه الواقعة الحقيقية، ففي العام 1976 -أي قبل أكثر من 41 سنة– وعندما كنا في الولايات المتحدة الأميركية، عملت زميلة الدراسة الأخت نسمة ملا حسين –موجهة أولى رياض أطفال سابقاً- تجارب ميدانية على ابني صلاح الذي لم يكن يبلغ السنتين من العمر حينذاك، كجزء من بحث ميداني حول المناهج التربوية ومدى مواءمتها لقدرات الأطفال وحاجاتهم وميولهم ورغباتهم، لكي تقدمه لأستاذها العجوز خلال أقل من أسبوع. بعد مرور أسابيع معدودة أخبرتنا الأخت نسمة أنها كانت تقدم عرضا أمام زملائها الطلبة حول بحثها الذي دار حول المناهج التربوية وطرق التدريس في الكويت، عندما علق الأستاذ العجوز إياه على بحثها قائلاً: «يبدو أن أسلوب المناهج التربوية في الكويت هو نفسه الذي كان يطبق في الولايات المتحدة الأميركية قبل أكثر من خمسين سنة، أي في عشرينات القرن الماضي». وهو ما يعني يا معالي الوزير أن ما كان يطبق في مناهج وزارة التربية في سبعينات القرن الماضي، تواصل وزارتكم التربوية تطبيقه على أبنائنا وأحفادنا حتى يومنا هذا. وهذا يعني أيضاً أن أسلوبكم التربوي كان يطبق في مدارس أميركا قبل مئة سنة، وما زلنا نحن متمسكين به إلى اليوم لا نقدر على التحرر منه، وكأنه قرآن منزل.
قبل أشهر قليلة بعث إلى الأخ العزيز الدكتور عيسى جاسم القصة التالية:
كلفت وزارة التربية أحد مفتشيها بزيارة إحدى المدارس الخاصة، وفي طـريقه إلى تلك المدرسة تعطـلت سيـارة المفتش، فوقف حـائراً رافـعاً غطاء محرك سـيارته، فمرّ صبي لم يبلغ العاشرة من عمره فسـأل المفتش إن كان يريد المسـاعدة، فقال المفـتش: وهل تفهم شيئاً عن السـيارات؟ فـردّ الصبي قائلا: والـدي يعمـل ميكـانيكياً للسيارات، وأنا أسـاعده أحـياناً. فقبل المفتش أن يعاين الصبي سيارته. حينها ألقى الصبي نظرة على المحرك ليطلب من المفتـش مجـموعة من المفاتيح والأدوات.
وبعد دقائـق من العمـل، كان المفتـش حينها يراقب الوضع باندهـاش، طلب الصبي من المفتش أن يشغل سيارته، وفجأة، عادت السـيارة للعمل من جـديد. شـكر المفتـش الصبي ثم سأله: لماذا لم تكن في المدرسة في هذا الوقت؟ أجاب الصبي وببساطة: لأن المفتـش سيزور مدرسـتنا اليوم، ولا يريدني المعلم أن أكون في الفصل حتى لا أسبب له الإحراج أمام المفتش، لأنني وحسب وصف هذا المعلم الأكـثر غـباء في الفصل، ولهذا أمرني ألا أحضـر اليوم وأبقى في البيـت.
الفكرة يا معالي الوزير أنه في وزارتكم أناس يبتكرون ما لا ينفع لأبنائنا من طرق تدريس بالية، وفي مدارسكم تقتل مواهب فلذات أكبادنا، لأن القائمين على وزارتكم لا يعرفون أن الذكـاء والإبداع والابتكار ليس مقتصرًا على فهـم المنهج الدراسي فحسب، وإنما باختيار ما يتناسب لإمكانات كل دارس لكي يوضع في مكـانه المناسب، ثم لتتفتق إبداعاته ومهاراته الخاصة. باختصار لا يوجـد غباء وذكاء إنما هناك تعدد المواهب واختلاف الحاجات وتنوع الرغبات. انتهى الدرس.
إعلامي كويتي

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

خمسة × واحد =