شفافيات

معركة الطواحين تكشف ضَلال المُغيَّبين شفافيات

د.حمود الحطاب

د . حمود الحطاب

بينما كان «دون كيخوته» ذلك الفارس الجوال الوهمي وسنشو الفلاح الساذج حامل سلاحه يتحدثان عن الأماني التي سيحققانها من المعارك التي سيخوضها دون كيخوته، وكيف أنه سيعطيه جزيرة ليحكمها مدى الحياة، في
هذه اللحظات اكتشفوا ثلاثين إلى أربعين طاحونة في ذلك السهل، فقال دون كيخوته لحامل سلاحه: «إن الحظ يسوق أمورنا خيراً مما تستطيعه رغباتنا، انظر يا صديقي سنشوبنثا أمامنا على الأقل ثلاثون من المردة العتاة أو يزيدون ، أرى أن أنازلهم وأسلبهم الحياة جميعا وبلا استثناء ، وبأَسلابهم نبدأ ثروتنا لأن هذا جهاد نبيل وفي سبيل الله إبادة هذه العصابة الشريرة من وجه الأرض.
فسأله سنشوبنثا: «أي مردة»؟ فأجابه سيده: «أولئك الذين تبصرهم بأذرعتهم الطوال إذ منهم من يبلغ طول ذراعه قرابة فرسخين «نحو ستة الاف متر». فقال سنشو: انتبه جنابك فتلك التي ترى هناك ليست مردة، بل طواحين هوائية، وما يبدو أنها أذرع ليست إلا أجنحتها التي تديرها الريح فتدير بدورها حجر الطاحونة». فأجابه كيخوته: هذا يدل تماما على أنك لست خبيرا بشؤون المغامرات، هذه مردة أقول لك، وإذا كنت خائفا فاذهب عني وأقم الصلاة بينما أنازلها في معركة رهيبة غير متكافئة».
وضرب فرسه «روثينانتا» وهو يقول هذه العبارة: «لاتهربي أيتها المخلوقات الجبانة الخسيسة فإن من يهاجمك ليس إلا فارسا واحدا»، ثم اندفع مغطى بترسه ومشرعا رمحه يركض بأقصى ماتستطيعه روثينانته في وجه أول طاحونة صادفته فخرقها برمحه، لكن الهواء دفعه وفرسه نحوها فرمت به إلى الأرض وهشمت عظامه ولحقه سنشو قائلا له: «يا سيدي ألم أقل لك إنها طواحين هوائية».
فرد عليه قائلا: «لقد حولها ذلك الساحر من مردة إلى طواحين ليحرمني شرف الانتصار عليها، ولكن صنعته اللعينة لن تقهر في نهاية الأمر طيبة سيفي».
هذا نقلته لكم باختصار عن بعض الوهم الذي دب في عقلية دون كيخوته من قراءة كتب تاريخية بالية عن الفرسان الجوالة في اسبانيا، التي حاول بشخصه إحياء مجدها ؛ ولعمر الله إنها هي هي حكاية الثارات الوهمية نفسها التي يستغلها دعاة المذهبية ليخبلوا بها عقول أتباعهم المحرومة من نقاش سادتها لأنهم هم وحدهم يملكون الحق كل الحق في أن يكذبوا عليهم ما يشاؤون من الكذب ويلبسوا عليهم دينهم. وما قتال الطواحين في هذه الرواية إلا ماترون في الكون اليوم من قتال ودمار وعدوانية ووحشية لأهداف تاريخية وهمية البسوها الناس.
دون كيخوته خرج بنوايا طيبة لكن أولئك الذين ألبسوا على الناس الخبال التاريخي تقودهم التيارات السياسية المعادية لدين الحق، فتجعلهم يظنون أن سحل صبي وقتله وتمزيقه تحت جنازير دبابة إنما هو انتقام من مارد التاريخ الذي حملوا الدنيا خطيئته ليتعيشوا ويتكسبوا مدى الحياة على الوهم الذي زرعوه في عقول اتباعم السذج. ولذلك هم يعلنونها ثارات مدى الحياة، ثارات حتى على الأطفال وعلى الطواحين ليت شعري … وللحديث بقية.
كاتب كويتي

Print Friendly