معروف الكرخي… زهد في الدنيا متصوفون خالدون

0 504

إعداد – نورة حافظ:

يعتبره العلماء بحرًا من العلم لا ينضب، من أقواله: “إذا حقق الرجل إسلامه وأتقن إيمانه، فاز باليقين لأن المقر بالشهادتين دون إثبات فروض الدين مسكين”، ويقول أيضًا: “ولقد جعلتك في الفؤاد أنيسي، وأبحت جسمي من أراد جلوسي، والجسم منى للحبيب مؤانس وحبيب قلبي في الفؤاد جليس”. إنه الإمام إبراهيم الدسوقي صاحب الطريقة الدسوقية، الأكبر في الطرق الصوفية، والذي يلقب بـ”العارف بالله”.

اصطحب الأب والأم المسيحيان الابن إلى الكنيسة ليعلمه أستاذه، فلما قال له: “الله ثالث ثلاثة”، عاجله الصبي، قائلًا: “بل الله الواحد الصمد”… هذا الصبي هو معروف بن فيروز وكنيته “أبو محفوظ”، لُقب بـ”الكرخي” نسبة إلى مسقط رأسه مدينة كرخ بالعراق.

مولده ونشأته
لم تقطع الروايات بسنة مولده،أما وفاته فكانت في عام 200 هـ في بغداد، عاصر الدولة العباسية وهو أحد علماء أهل السنة والجماعة المشهود لهم برفعة العلم والزهد وشدة الورع والتقوى وقطبًا صوفًيا من أولياء الله الصالحين، عرف بموهبته في الوعظ ونفاذ التأثير، فكانت نورانية كلماته تشف النفوس وتدمع العيون، سئل يوما: ما علامة الأولياء؟ فقال:”ثلاثة: همومهم لله، وشغلهم فيه، وفرارهم إليه”.

إسلامه
ترك “معروف” بيت والده صبًيا خوفًا من إجباره على عقيدة لا يريدها وأيضًا هربًا من ضرب أستاذه، وهنا التقى برجل صالح أشفق عليه هو علي بن موسى الرضا الإمام الثامن من الأئمة الاثني عشر للشيعة، ويرتفع نسبه إلى سيدنا علي- رضي الله عنه- والذي اعتنى به وأرشده إلى الدين الحنيف فأسلم معروف وتتلمذ على يديه، في الوقت الذي اشتد شوق أسرته إليه وأرهقهم فقده ودعوا الله أن يعود إليهم حتى وإن خالف دينهم فاستجاب الله للوالدين، إذ اصطحب علي بن موسى الرضا معروفًا إلى بيت والديه فقرت أعينهم به وسألوه على أي دين هو قال: “الإسلام”، فأسلمت أسرته على يد علي بن موسى.

علمه وأقواله
كان معروف الكرخي شديد النهم للعلم تتلمذ على يد علي بن موسى الرضا، وأيضًا على يد القطب الصوفي الجليل أبي سليمان داوود الطائي وروى عنهما، وأيضًا عن ابن السماك وبكر بن خنيس، كان خلقه الرحمة شديد الورع والتقوى، قال في ذلك يحيى بن جعفر-من علماء الحديث-: “رأيت معروفًا يؤذن فلما قال: أشهد أن لا إله إلا الله، رأيت شعر لحيته وصدغه قائما كأنه زرع”.
زهد “معروف”في الدنيا وعمل للآخرة فطفقت حياته صيامًا إلا قليلا من الأيام، وترك الراحة بقيام الليل والابتهال إلى الله، يقول “قيام الليل نور للمؤمن يوم القيامة يسعى بين يديه ومن خلفه وصيام النهار يبعد العبد من حر السعير”. وعلى الرغم من زهد نفسه في الدنيا فقد اشتهر بكرمه وعطائه وكذلك تسامحه النادر فعهدوه مفتوح القلب والعقل للجميع لم يغلق بابه يوًما حتى أمام كاره أو حاسد، فقد أورثه علمه وعشقه لله منتهى الحب ومنع عن قلبه الشوائب فارتقى في الدرجات الإنسانية مراتب العلا ورفعته أخلاقه الكريمة مصاف الشيوخ الكبار فلا يذل ولا يسقط في مواطن الصغار.
كان ” معروف ” قطبًا للطلاب والمريدين ومنهم تلميذه النجيب والذي خلفه سرى السقطي، سئل يومًا عن الطاعة وكيف قدر الطائعون عليها، فقال: “بخروج الدنيا من قلوبهم”… سئل عن الدنيا فقال: “الدنيا أربعة أشياء: المال، والكلام، والمنام، والطعام، فالمال يطغى، والكلام يلهى، والمنام ينسى، والطعام يسقى”.

مستجاب الدعاء
سأل سفيان بن عيينة ـ من المحدثين – ذات يوم رجالاً من أهل بغداد عن معروف الكرخي، فقالوا له: “بخير”، قال: “لا يزال أهل تلك المدينة بخير ما بقي فيهم”، فمن عاصر الشيخ الجليل العارف بالله معروف الكرخي، فقد شهد له الناس بأنه مستجاب الدعاء، وروى أنه ذات يوم وجد أحد جيرانه وقد تاه منه ابنه وتمكن منه الحزن الشديد، فما أتم الدعاء لجاره حتى ساق الله الولد إلى والده ليقر عينه، ويومًا استسقى “معروف” لقومه فأمطرت السماء، وغير هاتين القصتين كثير.

رحيل المعروف
مرض “معروف” قبل وفاته، وقيل له: “أوص”، فقال: “إذا مت فتصدقوا بقميصي هذا فإني أحب أن أخرج من الدنيا عريانا كما دخلت إليها عريانا”. ليرحل “معروف” تاركا ميراثا من الشيم النبيلة، والأقوال والعظات حملت البركة والحسن لمكان ميلاده ورحيله مدينة بغداد، أقام الناس له مسجدًا ومقامًا تعاقب عليهما الغزاة والمخربون ولكنهما بقيا قائمين، وقد أطلق أهل بغداد ومريدوه على قبره “قبر معروف ترياق مجرب” فما دعا منهم بدعوة في رحابه إلا استجاب الله له.

You might also like