مفاتيح النجاح بالحياة الدنيا والنجاة في الآخرة بتدبر آيات القرآن (9)

0

القاهرةـ محمد إسماعيل:

يقول الله تعالى: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ)، ولقد اعتنى صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابعهم على ذلك السلف الصالح من هذه الأمة، بالقرآن تدبرا وحفظا وفهما وعملا، وفي دراسة تحليلية متعمقة نتحدث عن معنى تدبر القرآن وأهميته وأسباب تحصيله وعلاماته وطريق الوصول إليه وثمراته، ونعرض قصصا ومواقف لتدبر النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن، وكذلك الصحابة والتابعين، وأقوالا لمشاهير عن تدبر القرآن الكريم، وأنه الطريق إلى الحياة الطيبة والصلاح والشفاء من العلل والأمراض.

يقول الدكتور عبد الواسع محمد غالب في كتابه «تدبر القرآن الكريم مفهومه وأهميته ووسائله وثماره»: إن تدبر كتاب الله، وتأمله حق التأمل يدل ويهدي إلى كل خير، ويحذر من كل شر، ويملأ القلوب بالإيمان، والأفئدة بالإيقان، ويوصل للنجاح
والفلاح في الدنيا والآخرة، كما أن تدبر آيات الذكر الحكيم يرقى بالإنسان للمطالب العالية، والمواهب الغالية، وبين الطريق الموصلة إلي الله، وإلى جنته ومكملاتها ومفسداتها، والطريق الموصلة إلى العذاب، ويعرفهم بربهم، وأسمائه وصفاته وإحسانه، ويشوقهم إلى الثواب الجزيل، ويرهبهم من العقاب الوبيل.
فليس شيءٌ أنفعُ للعبدِ في معاشِهِ ومعادِهِ من تدبر القرآنِ وجمعِ الفكرِ على معاني آياتِهِ؛ فلا تزالُ معانيه تنهض العبد إلى ربه بالوعد الجميل، وتحذره وتخوفه بوعيده، وتهديه في ظلم الآراء والمذاهب إلى سواء السبيل، وتصده عن اقتحام طرق البدع والأضاليل، وتبصره بحدود الحلال والحرام، وتوقفه عليها؛ لئلا يتعداها فيقع في العناء الطويل، وتناديه كلما فترت عزماته، كما إنّ تأثير القرآن في نفوس المؤمنين إنما يحصلُ بمعانيه لا بأنغامه، وبمن يتلوه من العاملين به لا بمن يجوِّده من المحترفين له، ولقد زلزل المؤمنون بالقرآن الأرضَ يوم زلزلت معانيه نفوسَهم، وفتحوا به الدنيا يوم فتحت حقائِقُه عقولهم، وسيطروا به على العالم يوم سيطرت مبادئُه على أخلاقِهم ورغباتهم، وبهذا فقط ولا شيء سواه يُعيد المسلمون التاريخ إلى سيرته الأولى.
ويؤكد الإمام محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري في كتاب «جامع البيان عن تأويل آي القرآن»، أن التدبر المأمور به في القرآن عام: يشمل المنافقين، والكفار، والمؤمنين. أما المنافقون :فقد وردت آيتان تأمرهم
بالتدبر، وهما قوله تعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا)، (سورة النساء الآية: 82)، وقوله تعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى? قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)، (سورة محمد الآية: 24)، وفي سياق هاتين الآيتين يخاطب المولي سبحانه وتعالي المنافقين فيقول لهم أفلا يتدبر
هؤلاء المنافقون مواعظ الله التي يعظهم بها في آي القرآن الذي أنزله على نبيه -عليه الصلاة والسلام-، ويتفكرون في حججه التي بينها لهم في تنزيله، فيعلموا بها خطأ ما هم عليه مقيمون، أم على قلوب أقفالها، يقول: أم أقفل الله
على قلوبهم فلا يعقلون ما أنزل الله في كتابه من المواعظ والعبر … إذ والله يجدون في القرآن زاجرا عن معصية الله،
لو تدبره القوم فعقلوه، ولكنهم أخذوا بالمتشابه فهلكوا عند ذلك.
وقال أبو حيان في كتاب «البحر المحيط»: ونخلص من ذلك: أن الله –تعالى- أنكر عليهم عزوفهم عن القرآن وعن قراءته بتدبر وأناة، وأنهم (أي المنافقون) لو أعملوا أذهانهم وأمعنوا النظر في القرآن وتدبروه بحق لوصلوا إلى نتيجة؛ إذ أن القرآن كلام الله ليس فيه اختلاف البتة؛ لأنه لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا، ولكن بسبب شكِّهم واضطرابهم وقلوبهم المغلفة القاسية التي كأنها مكبلة بالأغلال لا ينفذ إليها نور القرآن ولم يتمكنوا من تدبره، فمن أراد منهم أن يقف على تلك الحقيقة فعليه أن يقرأ القرآن كله بتدبر وتأمل، أما القراءة السريعة التي لا تأمل فيها لم توصل إلى تلك النتيجة.
وأما الكفار: فكذلك وردت فيهم آيتان، تأمرهم بالتدبر، وهما قوله تعالى: (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ)، (سورة المؤمنون الآية: 68)، وقوله تعالي: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ)، (سورة ص الآية: 29).

الاعراض عن القرآن مصيبة
وقال الشوكاني في كتاب «روح المعاني»: بين سبحانه أن سبب إقدامهم على الكفر هو عدم التدبر في القرآن، فإنهم لو تدبروا معانيه لظهر لهم صدقه وآمنوا به وبما فيه، وقال السعدي: «أي أفلا يتفكرن في القرآن ويتأملونه ويتدبرونه، فإنهم لو تدبروه لأوجب لهم الإيمان ولمنعهم من الكفر، ولكن المصيبة التي أصابتهم بسبب إعراضهم عنه».
ونخلص في هذا: إن كفار مكة لم يكونوا من المتدبرين للقرآن، ولم يعطوا لأنفسهم فرصة النظر فيه ليتبين لهم حقيقته، بل كَانَوا ينهون الناس عن الاستماع للقرآن الكريم ويقولون: هذا أساطير الأولين، وإفك قديم من كلام الكهان، وإن هو إلا قول البشر، وإن هذا إلا سحر يؤثر، واستمروا في تكذيبهم به،
ولو أنهم تدبروه لصدقوا بما فيه، وعلموا أنه كلام رب العالمين.
وأما عموم المؤمنين: فتدبر القرآن في حقهم واجب، وهم مأمورون به؛ لأنهم أهل الانتفاع، وكل واحد بحسب قدراته وطاقاته الإدراكية القابلة للاكتساب والزيادة، فلا يعذر أحد بعدم التدبر، وقد دل على ذلك سياق الآية الكريمة (لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ)، (سورة ص الآية: 29)، التي فيها قراءتان :القراءة الأولى: وهي قراءة الجمهور بإدغام التاء في الدال، وفيه بيان علة إنزال هذا الكتاب، وأن الهدف من إنزاله هو تلاوته وتدبره، وتوجيه الأمر إلى عموم الناس لا يفيد بأن الأمر منصرف عنه صلي الله عليه وسلم، بل إن الأمر بالتدبر موجه إليه صلي الله عليه وسلم ابتداء؛ إذ هو المبلِّغ لكلام الله، فهو داخل في الأمر ابتداء، ولقد كان عليه الصلاة والسلام في غاية التدبر والتفكر لكتاب الله تعالى.
والقراءة الثانية: «لتدبروا» قال الطبري:»وقراءة أبي جعفر وعاصم «لتَدبروا آياته» بالتاء، بمعنى: لتتدبره أنت يا محمد وأتباعك»، وقال ابن عاشور:» وقرأ أبو جعفر لتَدبروا بتاء الخطاب وتخفيف الدال وأصلها: لتتدبروا، فحذفت إحدى التاءين
اختصارا، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين.
كما أن في هذه القراءة توجيه اشتراك الأمة بالتوجيه الرباني بأن تتدبر كتاب ربها -سبحانه وتعالى- ، فهي مقصودة بالتدبر مخاطبة به. وقال الشوكاني:”وفي الآية دليل على أن الله إنما أنزل القرآن للتدبر والتفكر في معانيه، لا لمجرد التلاوة بدون تدبر”.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

2 + ثلاثة =