مفهوم الاندماج دردشة اقتصادية

0

بقلم- يوسف عبدالكريم الزنكوي

صم آذاننا مدرسو اللغة العربية والدين (التربية الإسلامية) والجغرافيا والتاريخ، وحتى مدرسو الحساب (الرياضيات)، ببيت الشعر (تأبى الرِّماحُ إذا اجتمعنَّ تكسُّراً.. وإذا افتــــرقنّ تكــسّرتْ آحادا)، وهم يصورون لنا كيف أن الدول وحتى الأشخاص عبر الأزمنة، إن تفرقوا ضعفوا وتكالبت عليهم ذئاب الدول القوية. ويبدو أن الشعور القوي بالقومية العربية والرغبة في الوحدة آنذاك كانت طاغية على حماس الإدارات المدرسية، وطبعاً بدعم من واضعي المناهج المدرسية خلال حقبة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، لدرجة أنه ما من مدرس لأي مادة، حتى مواد الرسم والرياضة والموسيقى، كان لهم دور في حشو رؤوسنا بأهمية الوحدة بين الدول العربية، من خلال نقل هذه المفاهيم الجديدة إلى مسطح مناهج هذه المواد التي كان يفترض أن تكون بعيدة وبمعزل عن السياسة.
ولكننا ورغم هذا الحشو المتواصل، عشنا لنرى بعد عقود من الزمن أن دولا عربية من حولنا تنقسم وتتجزأ، ورأينا كيف أن السياسة جعلت من شعوب دولة واحدة تنقسم إلى فرق، لتصبح شيعاً تتقاتل فيما بينها. وكأني بأولئك المربين الأوائل والمدرسين السابقين كانوا يستشرفون المستقبل ويعرفون أن تلاميذ الأمس سوف يتقاتلون فيما بينهم، في الغد أو يوماً ما، على كعكة الوطن، أو كأني بهم كانوا يعلمون أن عرب كل دولة سوف يقتلون الوطن بأكمله عندما يتقاتلون لتجزئته، أو كأني بهم كانوا يحاولون المستحيل لإقناعنا بأهمية القوة في الوحدة. إلا إنني مازلت متمسكا بأهمية الوحدة مع أي كيان سياسي، لكن فقط حينما يشعرني بأهميتي ويشاركني بقوتي، ومقتنع تماماً بضرورات الاندماج الاقتصادي في أي كيان اقتصادي آخر، بمجرد أن يشعرني بديمومة مورد الرزق وبتحقيق الاكتفاء الذاتي.
من هذا المنطلق، ترسخت لدي فكرة أهمية الاندماج، ولهذا لا أكون مبالغاً إذا ما قلت إنني أكاد أكون أكثر الكتاب تطرقاً لموضع الاندماج الاقتصادي، منذ عملي المصرفي وحتى يومنا هذا مع انغماسي بالعمل الإعلامي، إذ إنني ولخبرتي المصرفية التي امتدت لعقدين من الزمن، كتبت سلسلة مقالات حول ضرورات الاندماج المصرفي في الكويت. ولأنني كنت سكرتير تحرير للشؤون الاقتصادية في الزميلة الأنباء خلال الفترة من 1999 حتى 2002، قمت بتنظيم ندوات اقتصادية عدة، كان من أهمها ندوة “الاندماج المصرفي.. الواقع.. والمعوقات.. والطموحات”، شارك فيها كل من الدكتور نبيل المناعي، نائب محافظ بنك الكويت المركزي السابق، والشيخ أحمد عبدالله الأحمد، نائب رئيس مجلس إدارة البنك الأهلي، والأستاذ جاسم السعدون، الخبير الاقتصادي، والدكتور يوسف الإبراهيم، وزير المالية الأسبق، والأستاذ علي الموسى، وزير التخطيط الأسبق.
وجدير بالذكر أنه عندما تطرقنا لقضية الاندماج المصرفي قبل أكثر من 16 سنة، لم يكن يزيد عدد البنوك الكويتية على 8 بنوك تجارية، و3 بنوك متخصصة، ثم تأسس بنك بوبيان وبنك وربة فيما بعد، ليبلغ عدد البنوك الكويتية 13 بنكاً في سوق محدودة المساحة وقليل السكان. وعندما أثرنا موضوع الاندماج المصرفي في تلك الفترة، كانت أسعار البترول في صعود تدريجي، ولم يكن العالم يشكو من أي تقلبات اقتصادية أو اضطرابات سياسية، وكانت مشاريع البنية التحتية تسير على ما يرام. وأهم من هذا كله أن دول المنطقة كلها، وخصوصاً العراق وسورية ومصر وليبيا وتونس واليمن والأردن والسودان، لم تكن تعاني من ثورات شعبية ولا قلاقل سياسية، ولا “تقاسيم على عود الانفصال”، كتلك التي تشهدها المنطقة اليوم.
ولكوني أعمل مستشاراً إعلامياً لعدد من شركات التأمين الكويتية منذ أكثر من عقد من الزمن، وتعرفت على “الواقع والطموحات” لهذا القطاع الحيوي، سطرت مقالات عدة حول أهمية الاندماج بين وحدات قطاع التأمين الكويتي، من أجل زيادة الخبرات التأمينية، ولتدعيم رؤوس أموال وحدات القطاع، وتمكينها من الانطلاق خارج الحدود الجغرافية إقليمياً ودولياً. وكان من الضروري حينها الإفصاح بأهمية الاندماج، خصوصاً بعد أن فاض السوق المحلي بعدد غير قليل من شركات تأمين تكافلية وتقليدية أنشئت حديثاً مع مطلع القرن الواحد والعشرين، والسماح لها بالعمل في سوق تميزت باحتدام التنافس وبمحدودية إمكانات سوق، أضف إلى ذلك غياب الوعي بأهمية التأمين في حياة عموم الناس.
سطرت تلك المقالات في الوقت الذي كان الجانب الآخر من الكرة الأرضية (أوروبا والولايات المتحدة الأميركية) يشهد نمواً اقتصادياً ملحوظاً، كانت عمليات الاندماج خلالها تسير على قدم وساق هناك، خصوصاً في قطاعي النفط والمصارف، بينما كانت اقتصادات الشرق الأوسط تسير ببطء العاجز. وبتعبير آخر، في الوقت الذي اقتنع الغرب بأهمية الاندماج بين المؤسسات الكبرى رغم قوة اقتصاداتها، كنت أسمع وأقرأ كثيراً عن أهمية الاندماج بين المؤسسات الاقتصادية في الكويت، لكن يبدو أن ذلك كله كان على الورق فقط، أو مجرد حبر على الورق، أو أنه كان فصلاً من أحلام اليقظة، لأن واقع الحال كان عكس ذلك تماماً، إذ إنني كنت أسمع من شخصيات اقتصادية مرموقة أنه من الصعب تحقيق الاندماج طالما كان هناك من يخاف من الفشل، ويعشق المناصب فيتمسك بكراسيها، حتى لو كانت خازوقاً. وللحديث بقية.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

10 + 18 =