مكتبة “الحكمة” ومراكز الترجمة والبحث نبوغ المسلمين وعظمتهم في علوم الحياة (22)

0 7

بدأت الحضارة الإسلامية تعرف المدارس منذ القرن الهجري الأول، وكان الداعي لذلك كثرة الحلق التي غاصت بها المساجد، وأول مسجد قد حول إلى مدرسة كان جامع الأزهر عام 378هـ، وقد ملأت المدارس مدن العالم الإسلامي من مشرقه إلى مغربه، وهي التي قامت على الأوقاف الكثيرة التي تبرع بها الأغنياء.

إعداد ـ ميرفت عزت:

عرفت الحضارة الإسلامية أنواعا متعددة من المكتبات لم تعرفها أى حضارة أخرى ومنها المكتبات الأكاديمية، والمكتبات الخاصة، والمكتبات العامة، والمكتبات المدرسية، ومكتبات المساجد والجوامع.
يذكر د. منصور سرحان في كتاب “المكتبات في العصور الإسلامية” أن من أشهر المكتبات كانت مكتبة “بيت الحكمة” ببغداد التي تعد أعظم دور العلم في الأرض بلا أدنى مبالغة، وأحد الكنوز العلمية التي أنتجها الفكر الإسلامى قديما، كما أنتج غيرها من المكتبات العلمية في سائر الأقطار الإسلامية، والتي تناسى الناس دورها على الرغم من أنها كانت بمنزلة جامعة علمية عالمية يقصدها الطلاب على اختلاف أجناسهم وأديانهم من الشرق والغرب، وظل نورها يضيء للبشرية طريقها قرابة خمسة قرون حتى دمرت عل أيدى التتار. وقد قام على إنشاء هذه المكتبة الخليفة العباسي أبوجعفر المنصور في عاصمة الخلافة بغداد، حيث خصص بناية مستقلة جمع فيها نفائس الكتب ونوادرها من المؤلفات العربية والمترجمة عن اللغات المختلفة.
وكانت هذه المكتبة تنقسم إلى عدة أقسام وهي :
المكتبة: كان قسم المكتبة هو المنوط به اقتناء الكتب من كل حدب وصوب، وتنظيمها على الرفوف ومناولتها لمن يطلبها، ويلحق بذلك قسم النسخ والتجليد الذي كان يناط به بطبيعة الحال استنساخ الكتب وتجليدها، وترميم ما يفسد مما هو موجود، وكانت طرق تزويد بيت الحكمة بالكتب كثيرة منها: الشراء، حيث كان المأمون يرسل بعثات إلى القسطنطينية لإحضار الكتب، ومنها أيضا الاستهداء، حيث كان الخلفاء يبعثون وفودا إسلامية إلى الدول الأجنبية، فكانت تهديهم من الكتب الموجودة لديهم، ومنها أيضا أنه كان في بعض الأوقات يقبل الجزية ممن تجب عليهم كتبا، كما كان يحضر مئات النساخ، والشراح، والمترجمون من شتى اللغات، لتعريب ونقل الكتب من لغتها الأصلية، وكذلك كان منها التأليف، وهكذا تجمعت لهذه المكتبة طرق مختلفة ومتعددة لتصل بكتبها إلى حد لم تبلغه مكتبة قلبها عددا ونوعا.
مركز الترجمة: وكان قسم الترجمة منوطا به ترجمة الكتب من اللغات المختلفة إلى اللغة العربية، وأحيانا من العربية إلى لغات أخرى، وكان يعين في هذا القسم نقلة يختلفون من الناحية العميلة والإدارية عن الخزنة الذين يعينون في قسم المكتبة، وكان من هؤلاء: يوحنا بن ماسويه وحنين بن إسحاق الذي أرسل في رحلة إلى بلاد الروم ليتمكن من اللغة اليونانية، وكانت الكتب الأجنبية تجلب إلى المكتبة وتترجم فيها، وكان الخليفة المأمون يقدم مكافآت سخية للمترجمين.
وقد ذكر ابن النديم في كتابه (الفهرست) أسماء لعشرات ممن كانوا يقومون بالترجمة، ومن يراجع كتب الفهارس التي نقلت عن هذه المكتبة يجد إشارات كثيرة تدل على أن الكثير من الكتب كان يوجد منها نسخ نبطية، وقبطية، وسريانية، وفارسية وهندية ويونانية، وقد قدم علماء المسلمين بذلك خدمة جليلة للبشرية كلها، بنقلهم لهذا التراث الذي كان مهددا بالزوال ولولاهم ما عرف الناس في العصر الحديث شيئا عن المصنفات اليونانية والهندية الثمينة.
مركز البحث والتأليف: وهو من أهم روافد المكتبة، حيث كان المؤلفون يؤلفون كتبا خاصة لهذه المكتبة، وكان هؤلاء المؤلفون يقومون بذلك داخل قسم التأليف والبحث في المكتبة، أو يقومون بذلك خارج المكتبة، ثم يقدمون نتاج تأليفهم إليها، وكان المؤلف يثاب على ذلك بمكافأة سخية من قبل الخليفة، بل كان النساخون في بيت الحكمة يتقون حسب معايير خاصة، ومن ثم وجدنا علان الشعوبي – وهو من علماء القرن الثالث – ينسخ فى بيت الحكمة للرشيد والمأمون.
المرصد الفلكي: أنشأ المأمون هذا المرصد في حي الشماسية بالقرب من بغداد ليكون تابعا لبيت الحكمة، وذلك ليكون تعليم الفلك فيها تعليما عمليا، حيث يجرب فيها الطلاب ما يدرسونه من نظريات علمية، وكان يعمل فيه علماء الفلك والجغرافيا والرياضيات، مثل: الخوارزمي، أولاد موسى بن شاكر، والبيروني، ومن خلال هذا المرصد استطاع المأمون بفريقين من العلماء أن يحسب محيط الأرض.
المدرسة: قرب الخلفاء الذين جاءوا من بعد الرشيد العلماء الذين اشتهروا في عصرهم وأوكلوا إليهم تعليم أبنائهم وتأديبهم، فأجزلوا لهم العطاء ومن أمثال هؤلاء: الكسائي علي بن حمزة، الذي حظي عند المأمون وعهد إليه بتعليم ابنيه النحو، وابن السكيت، وكان يؤدب ولد جعفر المتوكل. وعندما أنشئت المدارس وعين المدرسون بها أصبحت لهم مرتبات شهرية منتظمة من الخزانة العامة.
ولا يفوتنا هنا أن نذكر أن تلك المكتبة هي التي عملت على نبوغ كثير من العلماء الذين صاروا أصحاب الريادة في علوم شتى، نذكر منهم: الخوارزمي مبتكر علم الجبر، وقد حكي ابن النديم عن ذلك وعن دوره الواسع في علم الفلك، فقال: “وكان منقطعا إلى خزانة الحكمة للمأمون، وهو من أصحاب علوم الهيئة، وكان الناس قبل الرصد وبعده يعولون على زيجيه الأول والثاني، ويعرفان بالسند هند”.
وكذلك كان الرازي، وابن سينان والبيروني، والبتاني، وابن النفيس، والأدريسي، ومئات غيرهم ممن أنتجهم الفكر الإسلامي، الذي أرست قواعده مكتبة بغداد وغيرها من المكتبات الإسلامية.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.