ملك سلمان… شرعوا أبوابكم أكثر للناس واستعينوا بالبطانة الصالحة

0 46

أحمد عبد العزيز الجارالله

أن تعلن المملكة العربية السعودية، وبهذه الشفافية، خفايا مقتل جمال خاشقجي، وتصدر أوامر ملكية بعزل مجموعة كبيرة من المسؤولين عن الاستخبارات والأمن، فهذا بحد ذاته تأكيد جديد على أن لا أحد فوق المحاسبة في عهد الملك سلمان، الذي لا شك يسير على خطى أسلافه منذ الملك المؤسس عبدالعزيز، في أن يكون أساس الحكم الصدق في التعامل، حتى في أصعب الظروف، وألا يحيد أي مسؤول عما هو ثابت في الأنظمة والقوانين، فيتصرف من عنده، مخالفاً الثوابت.
في الأساس ليس من ديدن قادة المملكة أسلوب الاغتيالات والقتل لمن يعارضهم في سياستهم من المواطنين، وهناك أكثر من خاشقجي معارض لم ينلهم أي أذى، بل على العكس لا يزالون يتمتعون بحقوق المواطنة الكاملة، رغم أنهم يستخدمون منابر مشبوهة خارجية للنيل من هيبة بلادهم، ولم يسبق أن قتل أو اغتيل أحدهم.
صحيح هناك استعادة لبعض أعضاء بيت الحكم، وهؤلاء لهم ظروفهم الخاصة، ويخضعون للمحاكمة، ثم يتركون يمارسون حياتهم من دون أي تنغيص، لأنهم تحركوا بدوافع شخصية، وسعوا إلى ابتزاز بيت الحكم لمآربهم البعيدة كل البعد عن أدبيات الاسر المالكة، فيما لم يتعرض أي منهم للأذى أو القتل.
في البيان الصادر عن النائب العام السعودي الكثير من الوضوح لدحض كل ما راج في الأسبوعين الماضيين، رغم أنه تأخر بعض الشيء، لكن أن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي أبدا، فالأهم تحديد المسؤوليات، التي لم يجرؤ أي حكم في العالم على اعتراف كهذا بمنتهى الصدق، حيث يتحمل كل مسؤول مسؤولية تقصيره، أو التغطية على فعل لا يقره القانون.
البيان الشفاف هذا كان ينتظره المجتمع الدولي الذي يدرك أن المملكة لديها معايير قانونية يلتزم بها الكبير قبل الصغير، أما خصومها الذين يتحيَّنون كل جنازة ليلطموا فيها فهؤلاء لن يعترفوا بشروق الشمس حتى لو لسعت حرارتها جلودهم، لأن هدفهم ليس الحقيقة، إنما الانتقام من قيادة الانفتاح والحداثة التي بدأت في عهد الملك سلمان وولي عهده الأمير محمد بن سلمان.
جميعنا في الإقليم لاحظنا أن منذ تولى الملك سلمان الحكم، وإعلان ولي العهد الخطوط العامة لستراتيجية الدولة الجديدة، خصوصا في مجال الانفتاح الاجتماعي وتمتع الشعب السعودي بحياة كريمة متماشية مع العصر، بدأت حملة التشويه والدس، واستغلال ما يسمى “الربيع العربي” لتقويض الاستقرار في المملكة، ودول الخليج العربية، وللأسف، هناك قلة من أبناء الاقليم ممن تأخذهم كل صيحة جديدة فينساقون لها من دون وعي بعواقبها، فكيف إذا كانت هذه الصيحات صادرة من تنظيم له أذرعه الدولية المتمرسة في استعداء الشعوب على دولها وأنظمة الحكم فيها.
أكثر ما قضَّ مضاجع هذا التنظيم، وأقصد “الإخوان”، بدء المحاسبة ومكافحة الفساد في المملكة، وكف أيدي المستفيدين منه، سواء أكانوا أمراء أم رجال اعمال، أم ممن يستندون إلى التنظيم ذاته في بناء شبكة فسادهم وتمويل مخططاتهم، لهذا استعرت حملة الأكاذيب والتشويه والتآمر، لأن هؤلاء كانوا في السابق يلمزون ويغمزون من قناة الفساد، وفي الوقت ذاته يستفيدون منه، فجاءت أولى الضربات القاصمة لظهرهم من أعلى الهرم، لكن رغم قلتهم في المملكة كان صوتهم عاليا، خصوصا ان لديهم ارتباطات خارجية مع التنظيم الدولي لـ”الإخوان” الذي يتخذ من تركيا مقرا، وله امتداد في بعض دول الخليج العربية، إضافة إلى تحالفه العضوي مع النظام الإيراني، وكلنا نعرف ماذا يخطط نظام الملالي للمملكة ودول الخليج، وبالتالي يعمل هؤلاء وفق القاعدة المعروفة “عدو عدوي صديقي”.
من المعروف أن هذا التنظيم له ارتباطات غربية، وابوابه المفتوحة على الصحافة الغربية والاميركية، وكلنا نعرف كيف ساهمت تلك الصحافة في تأجيج الصراعات العربية، ولا سيما في السنوات السبع الاخيرة، ووصلت إلى حد تصوير “الإخوان” المنقذ للأمة من ويلاتها.
الصحافة الغربية ليست محايدة بالمطلق، فهي خاضعة لقوى وجهات سياسية لها مصالحها وحساباتها، وفي صراع مع الإدارة الاميركية الحالية، اذ تخوض سجالات يومية مع الرئيس دونالد ترامب، فكيف إذا كانت هناك معركة انتخابات نصفية للكونغرس محتدمة، تحدد نتائجها مصير الرئاسة المقبلة، فهل ستترك قضية من هذا النوع من دون أن تستثمر فيها؟
بالعودة إلى قضية خاشقجي، بدا واضحا من بيان الادعاء العام، والمراسيم الملكية أن القيادة السعودية العليا لم تكن على علم بمجريات هذه القضية، وهكذا اخطاء تحدث في كل الدول، بل أحيانا هناك اجهزة تقدم على اعمال تؤدي إلى إرباك القيادة، ولقد شاهدنا، مثلا، ما حصل في تركيا حيث بعض الأجهزة وصلت الى حد التخطيط للانقلاب على الرئيس رجب طيب اردوغان، وكان الرد قاسيا جدا وصل الى حد سجن عشرات الالاف، وطرد أضعاف هذا العدد من وظائفهم في القضاء والتعليم وغيرهما، ورغم ذلك لم تشن حملات دولية ولا محاولات للتدخل بالشأن الداخلي، كما حصل مع السعودية في هذه القضية.
الحقيقة ان السبب كما يقال في الامثال العربية هو “قلوب مليانة وليس رمانة”، فالمقصود كان قتل الناطور وليس أكل العنب، والدليل مئات محطات التلفزة والصحف والاف المحللين الذين استعانت بهم هذه المنظومة من أجل النيل من بيت الحكم في المملكة، وكسر شوكة السعودية بوصفها القوة السياسية الأقوى في العالم الإسلامي، والقوة الاقتصادية، الفعالة في الاقتصاد العالمي، وهذا العداء ليس وليد اللحظة فهو موجود منذ الانقلاب الناصري في العام 1952، وبات اكثر شراسة مع كل نجاح تحققه المملكة.
صحيح أن الأوامر الملكية أنهت جدلا مزعجا كشف بوضوح الصديق من العدو، فيما كان من الأهداف ايضا الدفع بحكام المملكة ودول الخليج العربية للتخلي عن سنّة حميدة، وهي سياسة الأبواب المفتوحة بين الحاكم وشعبه، عبر التشكيك، ولهذا فإن الرد السليم والحكيم هو الابقاء على هذه الأبواب مفتوحة، وتبقى المجالس التي يشارك فيها المواطنون حكامهم الرأي، رغم وجود برلمانات ومجالس استشارية.
هذه السنّة الحميدة الموجودة في المملكة والكويت والإمارات والبحرين، هي التي عززت الثقة والولاء، وظهرت في الأزمات قوتها وصلابتها، تماما كما حدث في الكويت بين عامي 2011 و2013، وفي البحرين وكذلك اليوم في السعودية، ونأمل ان تستمر وتكون أكثر شفافية حتى تصل الناس الى الوعي الكافي في فهم معنى الديمقراطية وممارستها من دون أي ابتزاز أو استغلال، خصوصا أن الملك سلمان اعلن منذ زمن أن أبوابه مفتوحة وقال: “رحم الله من أهدى لي عيوبي، إذا رأيتم أو رأى إخواني المواطنين، أي شي فيه مصلحة لدينكم قبل كل شيء ولبلادكم بلاد الحرمين الشريفين الذين نحن كلنا خدام لها، فأهلاً وسهلاً بكم”.
في كل خطب الجمعة، وفي دول الخليج كافة، دائما يدعو الائمة الله سبحانه وتعالى أن يمنح الحكام البطانة الصالحة، ونحن نبتهل إلى الله أن يسمع هذا الدعاء الصادق، الذي فيه خير الجميع.
يبقى القول إن ثمة من أبعدوا في الأوامر الأخيرة استغلوا مناصبهم لمصالح خاصة، وهم كانوا محل انتقاد غالبية الناس، وعلى مبدأ رب ضارة نافعة، كان في إبعادهم مصلحة للبلاد والعباد.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.