ملوك الطوائف أثقلوا رعاياهم بالضرائب لإرضاء نزواتهم فردوس المسلمين الضائع - 10

0 42

إعداد – محمود خليل:

عانى المسلمون في الأندلس، كثيراً من ظروف القهر والرقابة الدائمة التي فرضت عليهم بعد سقوط الأندلس، التي كانت محاكم التفتيش المعينة من طرف الكنيسة مسؤولة عن ترتيبها وتنفيذها.
أدت تلك الرقابة الصارمة إلى نفور شديد من قبل الموريسكيين من كل ما يأتي من قبل السلطات الصليبية، فبعد الذوبان الاجتماعي للأندلسيين القشتاليين وأندلسي الغرب، ثاروا على المسيحية التي فرضت عليهم، وبدأوا في البحث عن جذورهم الإسلامية العربية المفقودة. زاد من حدة تحول هؤلاء الاندلسيين، الذين اجبروا على اعتناق المسيحية – المسيحيون الجدد كما كان يطلق عليهم – طرد أندلسيي غرناطة إلى مناطق تواجدهم، اذ وجدوا في الأندلسيين القدامى في غرناطة، ما فقدوه قبل قرون، كما أجبر تواجدهم النصارى القدامى على عدم نفورهم من أهل غرناطة على النصارى الجدد.
لم يمر وقت طويل حتى التحم أندلسيو غرناطة مع باقي الأندلسيين في شتى المقاطعات الخاضعة لحكم القشتاليين، ما نتج عنه فئة جديدة نتيجة ظلم محاكم التفتيش، أسموها “الموريسكيون”، شكلت عنصراً جديداً في التركيبة السكانية والاجتماعية في الأندلس.

تختلف صفات أهل الأندلس وخصائصهم باختلاف الفترات التاريخية التي عاشوها، كما اختلفت ظروف حياتهم حسب الأزمنة ونظم الحكم، مثلما تنوعت في مجتمعاتهم التأثيرات التي صاحبت الهجرات المتعددة، التمازج الثقافي، التكوينات الاجتماعية.
تميز الأندلسيون بخصائص عدة جاءت على لسان ابن سعيد المغربي، الذي عاش في القرن السابع الهجري في كتابه “الـمُغرب في حلى أهل المغرب”، نقل عنه المقري التلمساني فى كتابه “نفح الطيب”، إذ يقول:
أما عن صفات الملوك وكبار القوم فإن ملوك الطوائف كانوا يسرفون في الترف، تفننوا في صنوف من البذخ.
كان المعتمد ينفق على الشعراء من دون حساب حتى إنه ليخلع على الشاعر منهم خلعاً لا تصلح إلاّ للخلفاء. ومضى المعتمد وكثير من ملوك الطوائف في حياة الترف والمرح، لا ينفقون في مهام الدولة إلا القليل من وقتهم، وقد كانت الولائم الكثيرة ومجالسة الشعراء وعقد مجالس الشرب، واللهو مع القيان والجواري تستنفد كثيراً من أموالهم ووقتهم.
كانوا يبنون القصور، ينفقون في هندستها أموالاً باهظة في سبيل تحقيق متعهم، فهذا المأمون بن ذي النون ملك طليطلة يشيد قصراً عظيماً أنفق عليه الأموال الطائلة ووضع في وسطه بحيرة، وصنع في وسط البحيرة قبة من زجاج ملوّن منقوش بالذّهب، وجلب الماء على رأس القبة بتدبير أحكمه المهندسون، فكان الماء ينزل من أعلى القبة على جوانبها محيطاً بها ويتّصل بعضه ببعض، فكانت قبة الزجاج في غلالة مما سكب خلف الزجاج لا يفتر من الجري، والمأمون قاعد فيها لا يمسّه من الماء شيء ولا يصله، وتوقد فيها الشموع فيرى لذلك منظر بديع عجيب.
كان كل ملك من هؤلاء الملوك يحاول أن يجعل من مملكته ملتقى للشعراء والأدباء والمغنيين، نشطت تجارة الرقيق، اجتهد النخاسون في تعليم الجواري الروميات الغناء، لترتفع أجورهن، كثر الطلب على الجواري المغنيات، حتى أن هذيل بن رزين صاحب السهلة اشترى جارية ابن الكتاني بثلاثة آلاف دينار.
كثر المغنون في بلاط الملوك، كان في قصورهم عشرات منهم، حتى إن المعتمد بن عباد كان يصحب الموسيقيين معه أثناء حملاته الحربية.
لم يقتصر شيوع الغناء على بلاط الملوك فقط، بل شاع في أوساط العامة، حتى أن مدينة بلنسيّة “لا تكاد تجد فيها من يستطيع على شيء من دنياه إلاّ وقد اتخذ عند نفسه مغنّية وأكثر من ذلك، وإنما يتفاخر أهلها بكثرة الأغاني”.
كانت مجالس الغناء لا تخلو من الشراب، في عهد ملوك الطوائف فقد أصبح الخمر شائعاً في مجالسهم لضعف الوازع الديني حينذاك، غاص المجتمع الأندلسى فى الشهوات والترف فزاد ضعفاً وانحلالا، رغم أنهم كانوا لا يستطيعون الجهر بذلك في عهد الملوك الأمويين.
لجأ ملوك الطوائف من أجل إرضاء نزواتهم وتحقيق ملذاتهم إلى إثقال كاهل رعاياهم بالضرائب، فهذا مظفر ومبارك العامريان حاكماً بلنسية انغمسا في النعيم إلى قمة رأسيهما، على حساب الرعية، فقد كانا “يستزيدان عليها في الوظائف الثقال… حتى غدا كثير منهم يلبسون الجلود والحصر ويأكلون البقول والحشيش وفرَّ كثير منهم من قراهم”.
بينما كان ملكا مثل المعتمد بن عباد، ملك إشبيلية، يرى زوجته “اعتماد” وهي تطل من شرفات القصر ترقب سقوط الثلج فأجهشت بالبكاء، فسألها عن حالها فأخبرته بأنها تحنّ إلى منظر سقوط الثلج، تريد أن تسافر إلى بلد يكثر فيه سقوط الثلج لتمتع ناظرها بجمال الطبيعة الفاتنة.
طمأنها المعتمد بأنها سترى هذا المنظر في الشتاء المقبل في ذلك المكان نفسه، وأصدر أمره في الحال أن تغرس أشجار اللّوز في حدائق القصر حتى إذا أزهرت في فصل الشتاء بدت زهراتها البيضاء في عين اعتماد كقطع الثلج على أغصان الأشجار.
رأت اعتماد ذات يوم نسوة من العامة يعجن الطين لصنع الطوب اللّبن، فأثر فيها المنظر وبكت، فلما رآها المعتمد سألها عن السبب، فأخبرته أنها مقيدة الحرية لا تستطيع أن تفعل ما تفعل هؤلاء النسوة، فأمر في الحال بإحضار مقدار كبير من المسك، العنبر، العطور، فعُجن كل ذلك إلى أن أصبحت عجينة في حجم تلك التي كانت تعجنها النسوة، فنزلت اعتماد إلى ساحة القصر هي وجواريها، خلعن نعالهن، صرن يعجن بأقدامهن ذلك الطين المصنوع من المسك، حتى طابت نفس اعتماد بعدها.
كان موظفو الدولة ممن يتولون شؤون الرعية لا يراعون الشرع ولا هم لهم إلا أن يزدادوا ثراء وثروة، خصوصا موظفي جمع الضرائب ومراقبة الناس والأسواق.
يصف “ابن عبدون”، أعوان صاحب المدينة بأنهم شر الناس ولا يجب أن يصدق كلامهم إلا إذا شهد على ذلك الجيران، “لأن الشر أحب إليهم من الخير، فمنه يأكلون ويلبسون السحت، ومنه يعيشون، وليس للخير إليهم طريق، يجب ألا يخرج منهم في رسالة في المدينة أكثر من واحد لئلا يكثر الجعل والهرج والأذى”.
في ظل هذا الحكم اضطرب المجتمع الأندلسي، انتكست مثله، اشتد الغلاء، انتشرت الأوبئة، عمت الكوارث، كانت رحى الحروب تعصف بالرعية، فانعدم الاستقرار والأمن، فسدت أخلاق الناس، استبيحت المحرمات، هتكت الأستار، نقضت شرائع الدّين، فسدت نفوس الحكام والمحكومين، حتى لم يعد يعلم في الأندلس درهماً أو ديناراً حلالاً.
كما فرضت في عهد الطوائف أنواعا من الجباية على الرعية، كما فرضت المغارم “الغرامات” على الأهالي، حتى الحجاج لم ينج منهم أحد من دفع المغارم في موسم الحج، إلى أن أبطل ذلك يوسف بن تاشفين بعد دخوله الأندلس وقضائه على ملوك الطوائف، حارب كثيراً من مظاهر التفكك والانحلال الاجتماعي، من ثم وفر الحياة الهادئة للمجتمع الأندلسي.

You might also like