ممارسة الحقوق السياسية تحت مظلة الحماية الدستورية

0 186

د. سعاد ياسين

يحتل الدستور وضعاً سامياً فى البناء القانوني للدولة، حيث يتم تحديد شكل النظام السياسي ورسم معالمه،فهو يعد المرجع الذي يحتكم إليه الجميع في حالات النزاع أو الخلاف، بحيث لا يمكن لأي سلطة، مهما كان لها من نفوذ، ان تتجاوز منطوق وروح الوثيقة الدستورية، وما تسعى اليه من تحديد لمجال تدخل السلطات، وضمان الحقوق والحريات.
ونتيجة لهذا الدور المهم للدستور، فقد أضحت العدالة الدستورية تمثل محور الارتكاز لدولة الحق والقانون، وحيث إن المناط الأساسي للتشريع وغايته المثلى هو تنظيم العلاقات الاجتماعية واقرار الحقوق والحريات، سواء الفردية أو الجماعية، فإن القضاء الدستوري أنيط به حماية مصالح المواطنين من خلال تنقية المنظومة القانونية من كل خلل دستوري، وذلك عبر الرقابة السابقة على صدور القوانين، اذ تعرض القوانين عليه قبل صدورها، ومن خلال الرقابة اللاحقة، والتي تتمثل باحكامه بعدم دستورية القوانين، فالقانون الذي يخالف الدستور تتصف أحكامه بعدم الإنصاف والعدالة.
فالحقوق والحريات لا وجود لها إلا في دولة القانون التي تتقيد في كل مظاهر نشاطها، وأياً كانت طبيعة سلطاتها بقواعد قانونية تعلو عليها، وتكون بذاتها ضابطاً لاعمالها وتصرفاتها في اشكالها المختلفة، ذلك أن ممارسة السلطة لم تعد امتيازاً شخصياً لأحد، انما تباشر نيابة عن الجماعة ولصالحها، وتتحدد ضمانات خضوع الدولة للقانون في استقلال القضاء وحصانته، وتأكيد حق التقاضي للأفراد، حيث يكفل الدستور حقهم في الدفاع عن حقوقهم بكل الطرق المشروعة، وضمان تنفيذ الأحكام القضائية.
ويتمثل مبدأ الفصل بين السلطات في أن تكون لكل سلطة من سلطات الدولة اختصاصاتها، وحدودها بالتوازن بينها لتتبادل الرقابة في ما بينها، وفقاً لما يرسمه الدستور، وبما يسمح لكل سلطة بأن توقف طغيان الأخرى من اجل الصالح العام.
وقد تضمن دستور البحرين المعدل عام 2002 النص على مبدأ الفصل بين السلطات، وإن كان أقرب الى الفصل المرن الذي تمارسه الديمقراطيات الأخرى، ويقوم على أساس الفصل والتعاون، واحداث نوع من التوازن بين السلطات، فقد أناط الدستور السلطة التنفيذية بالملك ومجلس الوزراء، والسلطة التشريعية يمارسها الملك والمجلس الوطني.
وقد أخذ الدستور ايضاً بمبدأ التوازن والتعاون، ومشاركة الشعب في الشأن التشريعي، من خلال ما يتم طرحه من قوانين للاستفتاء من قبل الملك، وصلاحيات الملك في الشأن التشريعي لم يقصد بها التقييد أو التدخل، بل تحديث سلطات الدولة تمهيداً لحياة برلمانية قائمة على وجود مجلسين لسلطة التشريع، وفصل مرن للسلطات، وشراكة مجتمعية على اعتبار أن الشعب مصدر السلطات وفقاً لما نصت عليه المادة الأولى فقرة “د”، كما نصت الفقرة “هـ” على كفالة حق المواطنين، رجالا ونساء، في المشاركة في الشؤون العامة والتمتع بالحقوق السياسية، بما فيها حق الانتخاب والترشح، ولا يجوز حرمان أحد المواطنين من هذا الحق الا وفقاً للقانون.
كما تضمنت المادة 18 النص على مساواة المواطنين في الحقوق والواجبات، وعدم التمييز بينهم لآي اعتبار، وكفلت الفقرة “أ” من المادة المذكورة الحرية الشخصية وفقا للقانون.
أما حرية التعبير والرأي والاجتماع بما فيها تكوين الجمعيات، وما الى ذلك، فقد أقرتها المواد 22 وما بعدها، كما قررت المواد الأخرى 19و 20 وما بعدهما ضمانات التقاضي، والحقوق القانونية، بما يكفل تحقيق العدل والإنصاف.
وهذه المبادئ الدستورية التي ترسخت في مواد الدستور البحريني إنما تشكل في مجملها مظلة للحماية الدستورية لهذه الحقوق، سواء كانت انتهاكاً أو تجاوزاً، وذلك على مستوى التشريع حيث تنقي المحكمة الدستورية القوانين من تجاوزات مشروعات القوانين لتلك المبادئ، كما أن القضاء الدستوري يشكل حماية لاحقة برد القوانين والأحكام المخالفة لتلك المبادئ التي تكفل حماية هذه الحقوق.

نائب رئيس جمعية المحامين البحرينية

You might also like