منى واصف… عاشت أجمل ما في الحياة وتشعر أنها من النبلاء رسالتها للشعب: "اعشقوا هذا الوطن وأرضه وافتخروا به"

0

سيدة الفن السوري 4-4

وفاة زوجها وأختها وهجرة ابنها أصعب محطات مشوارها
لم ترفض دوراً جميلا بسبب الأجر… فالفن مسؤولية لا ترف
لا تبالي بتكرار شائعة موتها واعتبرت
أن مروجيها أذكياء!
تؤمن بأن الدراما مرآة الشعوب ووسيلتها لتجاوز الأزمات

القاهرة – نادية عبد الحليم:
امتدت مسيرة الفنانة السورية القديرة منى واصف، نصف قرن من العطاء المسرحي والتلفزيوني والسينمائي، ثلاثون منها في المسرح، قدمت خلالها أكثر من مئة مسرحية، كانت ولاتزال تدين للمسرح بكل ما وصلت إليه اليوم، تدين له بلغتها وثقافتها وحضورها، كما شاركت في أكثر من خمسين فيلماً سينمائياً، وفتحت الدراما التلفزيونية أبوابها على مصراعيها أمامها، فمنحتها الانتشار والشهرة وأتاحت لها دخول البيوت العربية، وبعد مشوار فني حافل بالنجاحات تقلدت سيدة الفن السوري منى واصف أوسمة استحقاق في العديد من الدول العربية، وكرّمت عبر تاريخها من معظم الجهات الإبداعية والإنسانية والإعلامية.
وهكذا تركت بصمتها في المسرح والسينما والتلفزيون على السواء.
يعد الفن بمثابة الهواء الذي تتنفسه بحق، حتى أنها كانت تذهب لعملها متفائلة، وكأن المسرح او موقع التصوير يمثل موعداً غرامياً مع حبيبها على حد تعبيرها، وقالت واصف في حبها للفن “أمثل كي أحيا، إن التمثيل جعلني ألتقي بالحياة وأعيش المعنى الحقيقي لتجددها واستمراريتها، وتقول: أحبّ عملي كثيراً، وأعتقد أن الناس شعروا بمحبتي لعملي، وصدّقوا احترامي له ولهم”.
وتضيف: إن قوتي في قدرتي على مجابهة العالم فنحن نعيش في عالم قاس، وفي كثير من الأحيان تكون الحياة أكثر من قاسية، ولكن قوتي بعملي تكسبني قوة الاستمرار، وعدم الخوف من السنين، فالسنون بالنسبة للمرأة ربما تشكل عبئاً وتقف عائقاً أمام استمرارها، إلا أن عملي بالفن أعطاني القوة والشجاعة للاستمرار وعدم التفكير والإحساس بعبء السنين، وأكسبني أجمل ما في الحياة، فالفن أعطاني كل شيء الثقافة، العشق للحياة، أراني بلاد الله الواسعة، حب الشعر، معاني القرآن الكريم، أعطاني النبل، حتى لأشعر أني من طبقة النبلاء، إضافة للارتياح المادي والتوازن”… وانطلاقا من هذا الحب الخاص فهي تعتبر أنّ الدور الجميل أهم من الأجر، ولذا لم ترفض يوماً دوراً جميلاً بسبب الأجر، وإنما تعتبر المشاركة حينها مساهمة منها في إنتاج العمل، ولعل ذلك ساعدها على مزيد من النجاح والانتشار.
كما يعد من أسباب نجاح واصف بحثها الدائم عن العمل المختلف والجديد، وحرصها على أن تترك بصماتها كفنانة، وإنسانة تحمل رسالة حقيقية من خلال عملها، أضف إلى ذلك ثقتها في نفسها، وصلابتها أمام المصاعب وثباتها أمام النجاحات، فلم تهتز أو تنكسر يوما أمام العواصف وكذا لم يسيطر عليها يوما الغرور، تقول “لم أضعف في حياتي بسبب فشل، ولم يغرّني النجاح أو يوقفني، أبحث في نجاحي عن الجمهور، وما سأضيفه لمشواري، وفي فشلي أبحث عن النجاح”.

امرأة حياة
ورغم صلابتها هذه، وثباتها الانفعالي، إلا أن ذلك لا ينفي رهافة حسها، وإنسانيتها الشديدة، ويظهر ذلك واضحا حين تتحدث عن أسرتها، اذ وصفت فقدانها لزوجها بأنه كان من أصعب المواقف التي حدثت لها، موضحة أن ذلك الموقف كان واحداً من مواقف خاصة عديدة بعيداً عن الفن واجهتها واصف بصعوبة شديدة، لذلك تصف نفسها بأنها “امرأة حياة”.
أثناء عرض حلقة معها من البرنامج التلفزيوني “آخر من يعلم” على قناة mbc، تمت مفاجأة الفنانة منى واصف بشريط مسجل لابنها عمّار وزوجته وحفيديها الذين يعيشون في الولايات المتحدة، وهي لم تراهم منذ أربع سنوات، حينما عرض الفيديو عليها بكت بشدة من المفاجأة.
كما أنها تكاد تكون أوقفت نشاطها المهني والاجتماعي خلال عام 2015، الذي اعتبرته أصعب عام لها على الصعيد الشخصي، إذ كبّدها خسارة شقيقتها، التي كانت متعلقة بها أشد درجات التعلق، ما أدى إلى معاناتها من حالة نفسية غير مستقرة، وكان من نتائج ذلك أنها اضطرت ولأول مرة في حياتها، إلى الابتعاد لبعض الوقت عن كل شيء، بما في ذلك الأمور المهنية.
لم يقتصر الامر على حياتها العائلية، فقد حزنت كثيراً لرحيل اسمين عن عالم الدراما السورية والعربية في العام نفسه 2015، واصفة إياهما بالخسارة لعائلة الفن في سورية كلها، قالت: “ليس هيّناً أن نفقد قامة مسرحية عظيمة بحجم عمر حجو رحمه الله، رغم أني لم أعمل وإياه كثيراً، لكنه كان أستاذاً بكل ما للكلمة من معنى”، وكذلك وفاة رندة مرعشلي، فأبكتني، خصوصا أنها كانت دلوعة الجميع، وكلنا شعرنا بأننا خسرنا شيئاً منا لدى رحيلها”.
أما عن لحظات السعادة البالغة في حياتها فمن أهمها تقليدها وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة باعتبارها الممثلة السورية الأولى والوحيدة التي عملت منذ خمسين سنة وتفوقت في هذا المجال، وقالت إن “هذا التكريم هو الأول من نوعه في سورية، وقد عشت سعادة حقيقية بعد منحي الوسام، خصوصاً أنني لم أكن أتوقعه، وكان حدثاً مفاجئاً وهذا لا يعني أني لم أكن أحلم به لكني استبعدته، وفجأة شعرت أن هذه هي السعادة وهذا الاستقرار وهذا النعيم”.

بطولات جماعية
في بداية الستينات نشر الناقد الشهير الكسان، في جريدة “النصر” صورة لمنى واصف بعد أن قدمت أول أعمالها على المسرح العسكري والى جانبها التعليق التالي: “منى واصف… احفظوا هذا الاسم سيكون له شأن كبير في عالم الفن”، وبعد ثلاثين سنة كتب: تجاوزت منى واصف كل التعريفات التي سبق أن أطلقت عليها خلال مسيرتها الفنية الطويلة مع المسرح والإذاعة والسينما والتلفزيون ومن هذه التعريفات أنها: “فنانة سورية الأولى، وسيدة المسرح السوري، ونجمة الشاشتين في سورية، والفنانة التي تجاوزت حدود القطرية إلى اتساع الوطن العربي الكبير”.
لكن ترى أي لقب تفضله هي؟ عندما يوجه لها هذا السؤال ترد “أنا منى واصف” فهي لا تميل إلى الألقاب الاستعراضية، وان محبة الجمهور للفنان هي أهم وسام يمكن أن يفتخر به الفنان، وأن لقب مثل فنانة أو فنان القمة على وجه التحديد غير مناسب، ولا وجود له، لأن ذلك إنما يعني أن هذا الفنان قد “ختم مشواره “فماذا بعد القمة؟ّ!! إن الفنان الاصيل الحقيقي من وجهة نظري هو الذي لا يكف عن التعلم، والعطاء والتجديد حتى آخر لحظات حياته”. ترى واصف أن الفنان الحقيقي لا يكون نتاج دور واحد، بل نتاج مجموعة أدوار في المسرح والسينما والتلفزيون، وعن الشروط التي كانت تفرضها للموافقة على المشاركة في عمل فني تقول: “شرطي أن يكون للدور الذي تلعبه المرأة هدف وهوية، ويحمل مضامين قضية انسانية، وليس مجرد دور أنثوي… والناحية الثانية التي اعتبرها الأساس هي المخرج الذي أتعامل معه إما ان يكون مخرجاً متميزاً لديه خبرة في مجال الاخراج أو مخرجاً جديداً واعدا”. وربما من هذا المنطلق عندما تقدمت في العمر لم تبحث عن مساحة الدور بقدر ما بحثت عن أهميته “كانت هناك بطولات مطلقة، ولكن اليوم أجمل ما فينا المشاركة في البطولات الجماعية، وأحياناً لا أكون من الشخصيات المحورية، ولكن أصبح كذلك كما حدث مثلاً في مسلسل باب الحارة، إذ إن دوري لا يتجاوز 50 مشهداً في الجزئين الرابع والخامس، لكن قوة الدور جعلته مؤثراً”.
عن أسباب نجاح الدراما التلفزيونية التي تقدمها قالت “إن التقاليد والمبادئ كاحترام الأهل والحب والثقافة والوقوف بجانب الجار هي مبادئ أضحت نادرة، لكنها ما زالت موجودة في هذا الزمن السريع، وكل منا يشعر أنه في حاجة إلى تلك العادات وإلى الحنان، وإلى وجود شخص يعتمد عليه، وعندما تنجح الدراما التلفزيونية في تقديم ذلك فإنها تجذب الجمهور، مثل مسلسل باب الحارة على وجه التحديد”. وعن دور “أم جوزيف” الذي اقترن بها لدرجة أن الناس باتوا ينادونها بأم جوزيف قالت: “إنه لقب يسعدني”.

رؤى ناضجة
من أهم ما يميز الفنانة منى واصف ثقافتها وتمتعها برؤى ناضجة وعميقة، ما انعكس بوضوح على أعمالها الفنية، واختياراتها في أدوارها، وأسلوب أدائها المتقن، كما أوضحنا من قبل، وبمرور السنوات أصبح لديها خبرة طويلة، ورؤى أكثر عمقا، من المهم الاستفادة منها فهي فنانة مخضرمة تعد مدرسة فنية، ومن ذلك اعتبارها “أن الفن يعد أكثر مرآة معبرة عن الأمم، لأنه متعلق كثيرا بالكلمة أكثر من الصورة، ولا ينبغي نسيان أنه في وقت الحروب والأزمات عادة ما ينتشر الفن الهابط والاغراء كنوع من هروب الناس من العذاب والمحن إلى التسلية”، ومن هنا ترى أن تراجع مستوى الفن في العالم العربي ما هو إلا نتاج طبيعي لما يجري في الساحة في الوقت الحاضر من أزمات، لكن يبقى أن للفن دوراً مهماً في هذه الأوقات الصعبة، صحيح أنه لا يمثل الحلول، لكنه يلقي الضوء على الواقع وعلى أوجاع الناس ومشاكلهم، لنصل إلى حلول.
كما ترى أيضا أن ثمة تغيير طرأ على الفنانين أنفسهم، ففي حين” كانت في الماضي المعاشات تكفينا، ويدر علينا العمل في التلفزيون أموالا إضافية، فإنه اليوم من المستحيل أن يكفي الفنان مادياً العمل بالمسرح”.
تعشق منى واصف وطنها سورية، وتعد نموذجا لتعلق الفنان بوطنه، وارتباطه الشديد به، ولإحساسه بالمسؤولية تجاهه، حتى أثناء تلك المراحل الزمنية التي يعاني خلالها الوطن من الأزمات، وبالتالي هي قدوة لأبناء الوطن العربي كله، لذلك لم تغادر واصف بيتها في دمشق إلا لاستكمال التصوير في بيروت، وسواها من العواصم العربية وعن ذلك تقول : “من أين آتي بقاسيون آخر؟ لا يوجد في العالم ما يغنيني عن الشام، هذا الوطن عشنا وتربينا فيه، قذائف أو صواريخ، لا مياه لا كهرباء؛ لا تعنيني، ما يعنيني أنني سأبقى هنا؛ في دمشق؛ ثم أين سآخذ مكتبتي وصوري وذكرياتي وأهلي والناس الذين أحبهم؟ بيتي الصغير هو وطني الكبير”.
هكذا تعشق منى واصف سورية، بل تدعو جميع السوريين إلى حبه قائلة: “اعشقوا هذا الوطن وسماه وأرضه وافتخروا به ليس بمعنى الكبرياء او التعصب الأعمى، لكن بمعنى الامتنان له والإحساس بما منحه لأبنائه، فهو يعطينا ونحن نتنفس هواه”.
وترى أن فكرة السفر من سورية مرفوضة تماماً، ولذلك وجهت رسالة للسوريين: “ما عنا وطن يعني ما عنا كرامة، وإذا بدنا كرامتنا لازم نحافظ على وطننا يا إمّا سنموت”.
وهكذا يسكن الوطن أعماق سيدة الفن السوري، فهي تشعر أن الوطن داخلها وخارجها وتربط ذلك بطفولتها في قولها “لقد قلت بأني كنت بانية قصراً لي على جبل قاسيون، وعندما أنتصر أرجع إلى طفولتي، ولا أستطيع أن أغيب عن دمشق وعن بيتي كثيراً وأطول فترة كانت ثلاثة أشهر وعشرة أيام، وذلك لأن المنحة التي جاءتني من ألمانيا للاطلاع على مسرح بريشت كانت مدتها ثلاثة أشهر وعشرة أيام وهي كانت أطول مدة تغيبت فيها عن الوطن، أما السفرات الأخرى فكانت تتراوح بين الشهر والشهرين”.

يوميات
كيف تقضي منى واصف يومها؟… تقرأ واصف بين 4 و5 ساعات يومياً على فترات متفرقة من بينها الساعات الثلاث صباحاً، وحينما تعمل فإن عملها يأخذ منها نحو 6 ساعات تستغرق فيها ولا تتواصل مع أحد، تفكر بإنشاء موقع الكتروني وكتابة أحلى ما نشر عنها طيلة حياتها دون كتابة مذكراتها.
ومن الأمور التي تجعلها لا تشعر بعبء السنين أنها قارئة ممتازة، وأنها متفائلة للغاية، لا تعرف معنى الفشل أو الحزن، تقول “من المفترض أن غداً سيكون أجمل، وربما الغد يحمل معه شيئاً مريحاً وجميلاً، ومهما كنت حزينة فلا أنام حزينة، وإذا نمت كذلك أستيقظ وبداخلي شيء مثل الرضا، وإذا ذكرت هذه الرواية “the secret” أقول إنها تشبهني كثيراً، وبطبعي أحمد الله عندما أستيقظ وأرى نفسي هنا بسريري وعندما أنزل منه أحمد الله، وأعمل قهوتي وأجلس في غرفة الجلوس، وأمسك كتاباً وإذا كان لدي عمل أحفظ نصي وأحمد الله”
ولا تواجه منى شائعات وفاتها التي يطلقها البعض من حين إلى آخر إلا بتهكم ودهشة رغم كثرتها، فعندما وجه لها سؤال: كيف تستقبل مثل هذه الشائعات، أطلقت الفنّانة ضحكة رنّانة غير آبهة بأعدائها الذّين أطلقوا هذه الشّائعة، معتبرةَ أنّها أخذت خبر وفاتها الكاذب برحابة صدر ولم تتضايق منه أبداً. واعتبرت واصف في لقاء لها عبر إذاعة “أورينت”، أنّ شائعة وفاتها جعلتها تعرف كم هي محبوبة من قبل الجمهور، كاشفة أنّ رجلاً أجهش بالبكاء عندما رآها مصادفةً بالسّوق، ولم يصدّق انّها لا تزال على قيد الحياة، كذلك استقبلها النّاس بحفاوة شديدة عندما رأوها بالشّارع بعد الشّائعة”.
وقالت الفنّانة السّوريّة القديرة أنّ من أطلقوا هذه الشّائعات أذكياء جدّاً، سيّما أنهم غالبا ما يستغلونّ فترة سفرها وإغلاق هاتفها الجوّال بسبب السّفر، ليكون الهاتف خارج التّغطية لكلّ من يحاول الاتّصال والاطمئنان، ليتم تثبيت الشّائعة. ولأنّ الشّائعات تنتشر بشكل كبير، ويتم تداولها عبر مواقع التّواصل الاجتماعي فإنها تتعدّى النطاق المحلّي والعربي وتصل إلى أميركا وأستراليا وأنحاء مختلفة من العالم، وتعلّق واصف بتواضع “تفاجئت بأنّ شهرتي وصلت لهناك.. لدي صديقة قديمة علاقتي تمتد بها منذ 45 سنة تقيم في اليونان، اتّصلت بي لتطمئنّ أيضاً وكانت منزعجة جداً من الشّائعة”.
واعتبرت واصف أنه لا هدف واضح من إطلاق مثل هذه الشائعة، وأنّ وفاتها في حال حدثت حقاً فستكون أمر طبيعي وعادي، وعلّقت: “ما أهميّة وفاتي بالنّسبة للأشخاص الذين يموتون يوميّاً في سورية؟!حياتي ليست أغلى من حياتهم”.
وعن مشروع كتابة قصة حياتها قالت بتواضع شديد إنها قررت ألا تكتب قصة حياتها، لأنها اكتشفت بعد العمر والسفر والقراءات، أنها ليست أهم واحدة في العالم، وأن ما عانته في حياتها لا يستحق الكتابة، لأن هناك من عانى أكثر منها، ولم يقص حياته في كتاب للنشر، واكتشفت أن مذكراتها وما تريد أن تتركه للوسط الفني عادي، لأنها عاشته، ولن يعيشه أحد معها”
هكذا عشنا مع سيدة الفن السوري لحظات عن قرب من حياتها، مليئة بالأحلام والنجاحات والتحديات، جعلتها عقد الماس العتيق.
(انتهى)

منى واصف
لقطة من احد أعمالها القديمة
You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

اثنا عشر + ثلاثة =