من النعمان إلى الحجاج إلى صدام فسليماني… هي لعنة التاريخ على العراق

0

أحمد عبد العزيز الجارالله

بلاد الرافدين يقتلها الجوع والظمأ، وثالث أكبر احتياطي نفطي عالميا يغرق في البطالة والعتمة.
هذا ليس مستغربا في بلد نهب قادته 200 مليار دولار اميركي خلال عشر سنوات، اي بين عامي 2003 و2013، وهم ذاتهم سجلوا في الجيش العراقي 50 الف جندي وهمي من انصارهم ومحازبيهم، فتسببوا بجعل الجيش مجرد صورة كاريكاتورية، فكيف اذا كان لا يزال الناهب يهدد بتسليم العراق حفنة من تراب اذا لم تكن له حصة فاعلة في الحكم، ألن تكون الاحتجاجات الحالية مجرد انذار لزلزال أكبر ضد الحكام الحاليين المستقوين بالبرامكة الجدد على العراق المنتفض في عدد المحافظات.
تاريخيا كانت بلاد ما بين النهرين ضحية للمصابين بهوس السلطة حتى لو بدعم خارجي، وهي عادة بدأت مع النعمان بن المنذر الذي دخل تحت عباءة السيطرة الكسروية، وأسلم قيادها للفرس، فجعلوا منه حاكما صُورياً، حتى تجرأ كسرى على طلب بناته لتصبحن جواري له، حينها ثارت القبائل العربية وشكلت جيشا للتصدي للغزاة الفرس، لكن لم يسلم النعمان، بل كان مصيره القتل على أيدي من استجار بهم على قومه.
بعدها سادت الفوضى سنوات حتى أوكل عبدالملك بن مروان ولاية العراق إلى الحجاج بن يوسف الثقفي صاحب مقولة “العراق أرض الشقاق”، التي ذهبت مثلا يتندر به العراقيون انفسهم، فهذا الحاكم الذي جعل السيف قانونه، بقوله في أولى خطبه في الكوفة: “والله يا أهل العراق إني لأرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها، وإني لصاحبها، والله لكأني أنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى”، استطاع بعد ذلك ان يجعل منها ارض الفتوحات، حتى أواخر الدولة الاموية.
في عهد الدولة العباسية، عادت الحال كما كانت عليه قبل الحجاج، ويومها كانت شوكة البرامكة قد قويت، وباتوا يشكلون تهديدا كبيرا على الخلافة، خصوصا حين تقرب بعضهم من هارون الرشيد وعملوا على اقناعه بالزواج من جارية فارسية انجبت له صبياً ربته على الطمع بالحكم، اعتقادا منها ان ما خسرته فارس بثورة المناذرة، ستأخذه هي بابنها المأمون فكانت تحرضه على أخيه الامين.
حاليا لا تختلف الصورة عما كانت عليه في ذلك العهد، فالصراع بين التيار العربي وخصمه الفارسي، فيما كلاهما عراقي الهوية، موزع الانتماء، فقاسم سليماني الحاكم العسكري من خلف الستار، يكاد يشبه بسلوكه جعفر البرمكي صاحب جريمة محاولة هدم الكعبة ونهب الحجر الاسود، الذي كان مصيره قريبا الى حد ما من النعمان بن المنذر.
حين قتل المأمون أخاه الامين كان وقتها يضع النقطة على آخر سطور الدولة العباسية ويدخلها طور الصراعات الداخلية، كما شكلت التدخلات الفارسية في شؤونها مقدمة للاحتلال الاجنبي بسبب الشقاق بين أبناء شعبه، فدخلها المغول، وجعلوا من بغداد، التي كانت توصف، حينذاك، بأنها مكتبة العرب والمسلمين، مجرد سجن ومقبرة كبيرين.
في كل مرة كان الاحتلال او الثورة على الحاكم تنتهي الى مجزرة وفوضى اكبر، حتى قيام الملكية الهاشمية وتولي الملك فيصل زمام الحكم، فتلك الفترة الممتدة من العام 1920 حتى العام 1958 كانت الفترة الذهبية في تاريخ العراق المستقر والساعي الى التنمية، الى ان ضربت عاصفة جنون الانقلابات العسكرية العالم العربي، وبدأ عصر القتل والسحل في شوارع بغداد، ويومها عامت على بحر من الدم طوال عقود بسبب شهوة السلطة المعتملة في نفوس قادة الاحزاب والتيارات السياسية.
الحجاج القديم تمثل في العام 1979 بصدام الحسين، صاحب اكبر المقابر الجماعية في تاريخ العرب، والذي تصور قدرته على اخضاع الجميع، زاعما انه حارس البوابة الشرقية في حرب الثماني سنوات مع ايران، بينما كانت اعين حكامها الملالي على العتبات الاسلامية في الكوفة والنجف وكربلاء، باعتبارها مفتاحا لبوابة الحرمين الشريفين.
لم تكد تنتهي الحرب العراقية – الايرانية حتى مال صدام صوب الكويت، وغزاها كمقدمة لغزو بقية دول “مجلس التعاون الخليجي”، مرتكبا واحدة من ابشع جرائم العصر الحديث، متوهما نفسه هتلر آخر يستطيع اخضاع العالم العربي، كما حاول سلفه الالماني اخضاع اوروبا، لكن التحالف الدولي كان له بالمرصاد، فتحررت الكويت مثل ما تحررت اوروبا من النازية.
في العام 2003 استبشر العراقيون خيرا بالخلاص من ربقة الحكم الصدامي، غير ان واقع الحالي المأسوي جعل شريحة لا بأس منهم تترحم على الديكتاتورية البعثية، خصوصا بعدما تحول الحرس الثوري الايراني قوة احتلال بغض نظر اميركي، وبدأت عملية النهب الممنهج لخيرات العراق، ولهذا فاذا كان اعتصام الانبار في العام 2013 الرحم الذي خصّبت فيه ايران وليدها الارهابي المسخ المسمى “داعش” فانها اليوم تحاول ان تنفس الضغط عليها باشعال فتيل الفتنة من خلال اوراقها الميليشياوية، اي انها تستخدم جوع العراقيين وبطالتهم في صراعها مع العالم.
مع هذه المشاهد المأسوية المنشورة على شاشات التلفزة على مدى ايام نرى جوعى العراق في مواجهة برامكة الطائفية الفارسية، واذا كان التاريخ يعيد نفسه، فان تغيير مساره بايدي العراقيين انفسهم، بمعنى ان يضعوا حدا للبرامكة الجدد، أكانوا يحملون الجنسية العراقية او الايرانية، لأن لا احد في هذا العالم سينجدهم اذا هم لم ينتصروا لأنفسهم، فالجوع والظمأ والحرمان والقمع آفة كل الامراض وانهيار الدول.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

خمسة عشر − 11 =