من بغداد الرشيد إلى نقفور طهران هل وصلت الرسالة؟

0 357

أحمد عبد العزيز الجارالله

حاول نظام الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة الاحتيال على المطالب الشَّعبية الداعية إلى عدم ترشحه لدورة رئاسية خامسة، غير أنه سقط في شر أعماله، وتحول الحراك الشعبي إلى ثورة سلمية لا تزال مستمرة إلى اليوم، في الوقت ذاته عمل نظام الرئيس السوداني السابق عمر حسن البشير على قمع الاحتجاجات بداية، وممارسة أعمال عنف ضد المتظاهرين غير أن السحر انقلب على الساحر، وسقط البشير واقتيد إلى السجن، وانتصر الشعب في كلتا الدولتين على القمع.
هاتان العبرتان يجب أن تكونا ماثلتين في أذهان المسؤولين العراقيين، فلا يعمدون إلى سياسة “الترقيع” والاحتيال على مئات الآلاف التي تنزل يومياً إلى الشوارع مطالبة برحيل النظام الحالي، لأن الحصيلة الثقيلة للاحتجاجات المتحصلة من الأيام الماضية تؤشر إلى مواجهات عنيفة بين المتظاهرين وقوات الأمن التي سرعان ما ستجد نفسها عارية من أي تغطية شعبية، وهذا يعيدنا إلى تذكر الأحداث التي شهدها العراق في عام 1958، حين ثار العراقيون على النظام الملكي، وابتدعوا يومها ظاهرة السحل في الشوارع، وهي واحدة من المشاهد التي أرًَقت كل حكام العراق طوال العقود الستة الماضية.
من المعروف أن العراقيين لا يصبرون كثيراً على السلطة الحاكمة إذا ما وجدوا أنها لا توفر لهم أساسيات الحياة والعيش الكريم، ورغم ما عانوه من نظام المحاصصة الطائفي طوال 16 عاماً ، فقد صبروا وحاولوا ان يقوِّموا الممارسة الخاطئة وينهوا عصر النهب الممنهج، لعل وعسى، غير أن الكيل طفح بهم، إلى درجة لا تطاق، وهو ما عبرت عنه مطالبهم، التي قوبلت برد عنيف من القوى الأمنية و”المندسين” ما أدى إلى تصعيد الاحتجاجات باتجاه إسقاط النظام، الذي تحول مطية لإيران وميليشياتها تمرر من خلاله كل ما تريد، وتمسك بالقرار السياسي والاقتصادي للبلاد.
هذه الحقيقة أدركها العراقيون بعدما شهدوا بأم أعينهم نفطهم وثرواتهم تنهب وتهرب إلى إيران التي جعلت من عراق هارون الرشيد مجرد سوق سوداء لتصدير كل بضائعها الطائفية إلى العالم العربي.
ربما بات على النظام الفارسي -الذي لايزال يراهن على إخضاع العراق- تذكر أن أحفاد الرشيد لن يقبلوا باستمرار الطغيان، بل لا شك أنهم سيكررون العمل بفحوى رسالة الحاكم العباسي لنقفور البيزنطي حين رفض دفع الجزية للعباسيين وأرسل إلى الرشيد رسالته الشهيرة:
“من نقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب.
أمَّا بَعْدُ؛ فإنَّ الملكة التي كانت قبلي أقامتك مقام الرُّخِّ، وأقامت نفسها مكان البيدق، فحملت إليك من أموالها ما كنتَ حقيقاً بحمل أضعافها إليها، لكنَّ ذلك ضعفُ النساء وحمقهن، فإذا قرأت كتابي هذا فاردِدْ ما حصل لك من أموالها، وَافْتَدِ نفسك بما تقع به المصادرة لك، وإلا فالسيف بيننا وبينك”.
فلما قرأ الرشيد الكتاب استشاط غضباً، وأرسل رسالته الشهيرة، إذ كتب على ظهر رسالة نقفور الآتي: “بسم الله الرحمن الرحيم، من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم: قرأت كتابك يا ابن الكافرة، والجواب ما تراه دون ما تسمعه، والسلام”.
وقد نفذ هارون الرشيد تهديده وأمر جيشه بغزو البلاد التي يسيطر عليها نقفور وهزم قواته وأعاد تدفيعه الجزية.
ما يجري في العراق اليوم يمكن اعتباره دروسا من التاريخ لمن يفقه حركة التاريخ التي تخضع دائما لارادة الشعوب وليس الحكام العملاء.
هل يقرأ نقفور طهران رسالة بغداد الرشيد الشعبية الغاضبة؟
وهل يُنعش حكامُ العراق ذاكرتهم بقراءة رسالة هارون الرشيد؟

You might also like