من طهران إلى بيروت… ديكتاتوريات “old look”

0 216

أحمد عبد العزيز الجارالله

سقطت ديكتاتوريات الحزب الواحد مع انهيار الاتحاد السوفياتي وانفراط عقد المنظومة الشيوعية، لتحل محلها الديكتاتوريات المقنعة بالديمقراطية، أو المتخفية تحت عباءة التعددية الحزبية الحاكمة والانتخابات البرلمانية التي تجرى وفق قوانين تفصِّلها الطغم المستبدة وأحزاب السلطة على مقاسها الضيق، كي لا تترك أي مجال للمنافسة، بحيث تحتكر التمثيل في المجالس، نيابية كانت أو شورى، أو غيرها من الهياكل الشكلية للسلطات التشريعية، لتكون أكثريتها الموظفة من قبلها قادرة على إقرار تشريعات استبدادية تخدم أهداف قلة من اللاعبين الاساسيين.
التغيير في نمط الحكم الاستبدادي كان النتيجة الطبيعية التي توصل اليها مستبدون قصار النظر سياسيا وتاريخيا، كحال الطبقة السياسية الحاكمة في لبنان أو العراق، أو تلك التي أنتجها الفكر المذهبي السياسي كما في إيران، غير أن مصيرها يبقى واحدا، كما الديكتاتوريات القديمة كونها لم تنتج دولة حقيقية لأن الدول لا تقام إلا على العدالة والديمقراطية الشفافة بعيدا من الظلم والقهر، وكل تلك الأنظمة اعتراها الفساد حتى سقطت من تلقاء نفسها بفعل الاهتراء.
هذه الحقيقة ينساها المستبدون الجدد الذين يعتقدون أن التزييف والتدليس سيخفيان فسادهم، فمثلاً لم تتعظ سلطة الأمر الواقع في لبنان من بعض الدروس العربية خلال العقد الأخير، إذ هي تماطل وتسوف الوقت، وحين انحشرت في زاوية الغضب الشعبي عمدت إلى العنف المفرط، متناسية أنه كان أحد أسباب الحرب الأهلية التي استمرت 17 عاما، وراح ضحيتها 150 ألف قتيل.
في العراق حيث الوجه الآخر لهذه العملة الرديئة كان الرد أكثر دموية، إذ منذ اشتعال الاحتجاجات اختارت القوى الأمنية الرصاص الحي لمنع الناس من التعبير عن رأيهم، مستلهمة هذا الفعل الجرمي القبيح من محركها النظام الإيراني الذي غرق بدم المحتجين الإيرانيين إلى أذنيه.
ربما لا يزال أمام هذه الطغم بعض الفسحة للتفكر في دروس وعبر الماضي، وأن تنظر إلى ما حل في ليبيا واليمن، وقبلها الدول الاشتراكية، حيث لم يترك المواطنون أي مسؤول شارك بقمعهم من دون محاسبة، ولم تشفع العمالة للاتحاد السوفياتي لأي منهم.
هذا ما يجب أن يعتبر منه حسن نصرالله، وحكام العراق العاملون عند نظام الملالي، ويدركوا أن مواجهة شعوبهم، حتى لو كانت بالتخفي خلف قناع السلطة الشرعية نهايته السوق إلى السجون أو منصات الإعدام، فتلك جرائم لا يسقطها الزمن.
اليوم حين تعمل سلطات القمع في بيروت على استخدام العنف المفرط ضد المحتجين، أو تُقدِم الميليشيات الطائفية في العراق، المقنعة بلباس الشرطة والأمن العراقيين، على قتل المتظاهرين، أو يخرج قادة نظام الملالي في طهران إلى الإعلام متباهين بقتل المحتجين العزل في طهران وغيرها من المدن، فانهم يقربون حبل المشنقة من رقابهم أكثر.
لاشك أن هؤلاء لا يدركون، أيضا، أن ذلك يزيد من أزمتهم، ولا يقدم حلا للمشكلات التي تعانيها بلادهم، بل هو يقرب نهاية ديكتاتورياتهم، إذ هم يتوهمون أنهم بقتل بعض الناس أو زجهم في السجون يخمدون ثورة، ولا يعلمون أنهم لن يستطيعوا قتل كل الشعب أو دكه بالمعتقلات، بل يشعلون ناراً ستحرقهم عاجلاً وليس آجلاً.

You might also like