“من غص داوى بشرب الماء غصته فكيف يصنع من قد غص بالماء” محبرة وقلم

0 17

مشعل عثمان السعيد

الغصة اسم، جمعها: غصص، وتأتي بمعان عدة منها: الغصة بالطعام وهو اعتراضه بالفم، وهناك غصة اخرى وهي ما تأتي بمعنى الالم والحزن والهم والغم الشديد المتواصل، وقال الليث:
“الغصة الشجا، وربما غص المرء بالماء،
وغصة الموت وهي سكرته”.
يقول ابو الطيب المتنبي:
“جوهرة يفرح الكرام بها
وغصة لا تسيغها السفلة”
اما صاحب البيت عنوان الموضوع فقد غص بالماء، يسأل بحسرة وأسى: كيف يصنع من غص بالماء؟ يشكر حزنا والما ومعناة شديدة، وهي كناية عن همة وغمه، ولا يغص بالماء الا من ضاقت به الدنيا بمن عليها.
نحن اذا غصصنا بالطعام سارعنا الى الماء، فكيف بمن غص بالماء؟ هذا ما قاله ابو بكر بن ابي داود العالم العابد عبدالله بن سليمان بن الاشعث بن اسحاق بن ب شير بن شداد بن عمرو بن عمران الانباري السجستاني الازدي المولود في كابل بافغانستان “كابول” في عام 230 هـ، وخليفة الدنيا الواثق بالله هارون بن محمد المعتصم بالله (227 – 232 هـ) وابو بكر هذا احد علماء الاثر والحديث، اهم بسماع الاحاديث النبوية والاثار، وكان شديد الحرص على كتابة كل ما يسمعه، سافر مع والده في طلب العلم الى سجستان وفارس والعراق ومصر والجزيرة العربية، والتقى الكثير من العلماء، والف بعد ذلك كتاب “المصاحف” وكتاب “العبث”، قال صاحب اعلام النبلاء ان مولده بسجستان عام 230هـ وهذا يختلف عما ذكرته في البداية، وذكر انه من بحور العلم، صنف الناسخ والمنسوخ وشريعة المقارئ، وهو القاتل:
“من غص داوى بشرب الماء غصته
فكيف يصنع من قد غص في الماء؟
قلبي حزين على ما فات من زللي
فالنفس في جسدي من اعظم الداء
الشوق في خاطري والحر في كبدي
والحب مني مصون في سويداني
تركت للناس دنياهم ودينهم
شغلا بذكرك ياديني ودنيائي
فصار يحسدني من كت احسده
وصرت مولى الورى اذا صرت مؤلائي”.
هناك من يذكر ان هذه الابيات “للحلاج” الحسين بن منصور بن محمي المقتول على الزندقة “244 – 309)ويضيف اليها:
“اشعلت في كبدي نارين واحدة
بين الضلوع واخرى بين احشائي
ما لامني فيك احبابي واعدائي
الا لغفلتهم عن عظم بلوائي”.
وهناك رأي ثالث يقول ان هذه الابيات لجلال الدين الرومي: محمد بن ممد بن حسين بهاء الدين البلجي البكري “604 – 672 هـ” وايا كان صاحب هذه الابيات، فالبيت السائر فيها هو:
“من غص داوى بشرب الماء غصته
فكيف يصنع من قد غص في الماء”؟
اما ابو بكر بن ابي داود فقد توفي عام 316 هـ، وابوه سليمان بن الاشعث مولود عام 202هـ وتوفي عام 275 هـ، وهو امام اهل الحديث في وقته، وهو صاحب الكتاب المشهور “سنن ابي داود” وعندما مات ابو بكر بن ابي داود حضر الصلاة عليه ثلاثمئة الف انسان لجلالة قدره، ومكانته بين الناس، قال ابن الجوزي في “المنتظم” ابو بكر بن ابي داود محدث العراق وابن امامها في عصره، كان عالما فهما من كبار الحفاظ، نصب له السلطان منبرا محدث عليه، ورغم وجود كبار المشايخ في عصره، الا انهم لم يبلغوا في الاتقان ما بلغ.
وكان الخليفة المتقدر بالله كثر التوقير له، ذكر انه صلي عليه ثمانين مرة ولم يخلص جنازته من الناس، الا الشرطة، ولا بأس ان اذكر لكم شيئا عن المتقدر بالله العباسي الذي مات هذا العالم في عصره، فهو الخليفة الثامن عشر في سلسلة خلفاء الدولة العباسية، واسمه جعفر بن احمد المعتضد بالله بن الامير الموفق بالله طحة بن جعفر المتوكل على الله بن محمد المعتصم بالله بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن ابي جعفر المنصور عبدالله بن علي بن عبدالله بن عباس بن عبدالمطلب بن هاشم.
بويع بعد اخيه المكتفي بالله علي، سنة خمس وتعسين ومئتين للهجرة وهو ابن ثلاث عشرة سنة، ويكنى ابا الفضل، وامه ام ولد اسمها “شغب” ادركت خلافته، وكانت من اهل الخير، ولم يل الخلافة من هو اصغر منه سنا، وفي عهده ضعفت الخلافة العباسية، وصغر منصب الخليفة، وقد خلع في اوائل دولته وبويع عبدالله بن المعتز، ثم لم يتم ذلك وقتل ابن المعتز، وعاد الى الخلافة، ثم خلع مرة ثانية سنة سبع عشرة وثلاثمئة وبويع اخاه القاهر بالله ثم اعيد المقتدر بعد ثلاثة ايام، وصف بانه ربعة مليح الوجه ابيض مشربا بحمره عاش ثماني وثلاثين سنة، عرف بالجود والسخائ حتى انه كان يصرف على الحرمين الشريفين ثلاثمئة الف وخمسة عشر الفا درهما كل سنة، وفي السنة الاخيرة من خلافته دخل أبو طاهر القرمطي مكة المكرمة واقتلع الحجر الاسود وقبة بئر زمزم، وعرى الكعبة المشرفة من كسوتها، وقلع باب البيت، وقتل أ مير مكة وعددا كبيرا من الحجاج.
قال ابوعلي التنوخي، كان المقتدر جيد العقل، صحيح الرأي، ولكنه كان مؤثرا بالشهوات، لقد سمعت علي بن عيسى الوزير يقول: ما هو الا ان يترك النبيذ خمسة أيام حتى يكون في اصالة الرأي كالمأمون والمعتضد.
وفي اخر عهد المقتدر بالله وقع صدام بينه وبين “مونس الخادم” ونشب بينهما القتال انتهى بمقتل الخليفة جعفرر المقتدر عام 320 هـ رحمه الله. ومؤنس الخادم هذا يدعي الأكبر لقبه المظفر من موالي المعتضد بالله وهو احد الخدام الذين بلغوا رتبة الملوك في القرن الثالث الهجري.
كان ابيض فارسا شجاعا، سانسا داهية، ولي دمشق وحارب الفاطميين وهزمهم، عاش تسعين سنة كان اميرا لستين سنة من عمره، نصب القاهربالله خليفة فلما تمكن القاهر من الخلافة قام بقتله سنة 320هـ وبشر القاتل بالقتل ولو بعد حين، ولما جيء برأس جعفر المقتدر بالله المؤنس الخادم، ندم ندما شديدا وبكى وقال: والله لتقتلن كلنا.
جف القلم ونشفت المحبرة في أمان الله.

كاتب كويتي
mshal.alsaed@gmail.com

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.