من كسرى إلى هولاكو إلى تتار العصر… بغداد تنتصر دائماً

0 331

أحمد عبد العزيز الجارالله

ربما هي لعنة الجغرافيا والستراتيجية التي جعلت العراق محط أطماع الأمم القديمة والحديثة، فقد تعرض عبر الزمن لكثير من الاحتلالات والحصارات، منذ آلاف عدة من السنين، غير أنه كان ينهض من رماده، ينفض غبار المأساة ويبني نفسه من جديد، لكنه ما يلبث أن يعود إلى حصار وحرب ومجازر، دفعت إحداها في القرن الثالث عشر هولاكو إلى الهرب من بغداد بعد أربعين يوماً من التقتيل بأهلها إذ وصل عدد القتلى إلى نحو 1.8 مليون نسمة.
تعرض العراق لما يزيد عن 20 احتلالاً، منها أربع عشرة مرة في الألف سنة المنصرمة، وبعد كل واحدة كان الغازي إما يسعى إلى دخول بلاد فارس منه وإما الخروج عبره إلى الامبراطوريات القديمة، مثل ما هي الحال مع غزو كسرى أنو شروان لبلاد ما بين النهرين واحتلالها تمهيداً لمحاربة جوستينان البيزنطي، وتوالت بعدها الغزوات، لتكون الزوراء محط النكبات.
قبل ذلك وفي العصر الوسيط، غزتهُ الامبراطوريات الأخمينية، السلوقية، وكذلك امبراطوريات البارثيين والساسانيين خلال العصر الحديدي والعصور الكلاسيكية القديمة، وفتحه المسلمون في عصر الخلفاء الراشدين في القرن السابع الميلادي بعد أن أزاحوا الدولة الساسانية، وأصبح العراق مركزاً للدولة الإسلامية في خلافة علي بن أبي طالب، ثم كان العصر الذهبي للعراق خلال الخلافة العباسية في العصور الوسطى، وبعد سلسلة من الغزوات والفتوحات أصبح العراق تحت حكم البويهيين والسلاجقة الأتراك ثم سقط بيد المغول، ودخل ضمن سيطرة الدولة العثمانية في القرن السادس عشر، لكن بشكل متقطع، إذ تعرض للغزو الإيراني الصفوي والمملوكي.
في العصر الإسلامي شهدت مدينة السلام (كما كانت تسمى بغداد قبل العهد العباسي) بعض الهدوء، خصوصاً بعدما طرد العرب الفرس منها، وبدأت تتحول حاضرة إسلامية مع الدولة الأموية، إلا أن ذلك انهار مع غزو هولاكو في العام 1258 ميلادية وارتكب فيها أفظع المذابح ليخرج منها بعد 40 يوماً هرباً من رائحة الجثث المتعفنة، وما كادت تتخلص من تلك المأساة حتى عاد اليها حفيده تيمورلنك غازياً، ويرتكب فيها الفظائع أيضاً.
صراع الحكام على بغداد سببه الدور التاريخي للمدينة، اقتصادياً وحضارياً، ولهذا كانت محل صراع الآباء والأبناء في مراحل معينة، كما حدث في دولتي الخروف الأبيض والأسود التركمانيتين، أو في العهدين الساساني والصفوي، حين قتل قرا يوسف ابنه محمد شاه بعدما كان الأخير انفصل عن دولة أبيه واتخذ من بغداد عاصمة لدولته، لكنه لم يلبث طويلاً فيها حتى أسقطتها دولة الخروف الأبيض.
في العهد الصفوي، قام الشاه إسماعيل بغزو بغداد، ومعها أعاد الكرة بالتدمير تماماً مثل ما فعل كسرى في عهد المناذرة، فقتل علماء المسلمين كافة في المدينة، ويومها عين خادمه والياً عليها وأسماه خليفة الخلفاء، للسخرية من العرب.
الغزو العاشر كان في عهد ذوالفقار بن علي الذي تمكن بمعاونة اثنين من أخوته، وبالتحالف مع العثمانيين، من طرد الصفويين، غير أن شاه إيران، وقتذاك، المدعو طهماسب الأول رد بغزو العراق وحاصر بغداد أسابيع عدة من دون أن يستطيع دخولها، حتى تمكن من استمالة أحد أخوة واليها، ففتح له بوابات المدينة ليلاً واجتاحها الفرس فارتكبوا فيها المجازر، وعينوا ذلك الأخ الخائن والياً عليها لكنه بقي تحت إمرتهم.
الاحتلال الحادي عشر كان على يد السلطان العثماني سليمان القانوني، الذي قضى على الصفويين فيها وأمر بإعادة الأماكن التي هدمها الفرس، خصوصا القباب والمساجد، ومنها جامع الإمام الأعظم أو جامع أبو حنيفة النعمان أحد المساجد والمدارس التاريخية في مدينة بغداد، الذي لا يزال إلى يومنا هذا مزاراً.
هذه المدينة التي لم تشهد ازدهاراً طويلاً إذ كانت في مطالع القرن العشرين على موعد مع غزو جديد، لكن هذه المرة من خارج الشرق الأوسط، ففي العام 1917 ومع انهيار الامبراطورية العثمانية، دخل الإنكليز بغداد ونصبوا الملك فيصل الأول حاكماً عليها، وأعلنوا قيام المملكة الهاشمية فيها، غير أن الأمن لم يستتب طويلا، إذ بدأت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حركات التمرد الحزبي حتى وصلت إلى الانقلاب الدموي، الذي تميز بسحل الناس في الشوارع بالعام 1958.
مع هذا الانقلاب بدأت مرحلة دموية جديدة في تاريخ العراق، لكن هذه المرة من أبنائه ذاتهم، فكان الانقلاب على عبدالكريم قاسم، وبعده على عبدالسلام عارف، وانقلاب صدام حسين على أحمد حسن البكر، لينتهي حكم حزب البعث في العام 2003 بسقوط بغداد بأيدي الأميركيين بعد حصار دام 12 عاماً.
في السنوات الـ 15 الماضية بانت مساوئ الحكم الذي أتى به الأميركيون، فالذين حكموا لم يكونوا أكثر من طغمة عميلة لنظام الملالي الفارسي، وتسبب هؤلاء بإفقار العراقيين، وممارستهم النهب الممنهج لخيراته، حتى بلغ ما نهبوه نحو 200 مليار دولار في عشر سنوات.
اليوم بغداد تحاول نفض غبار تلك المآسي عبر مقاومة الميليشيات الطائفية والارهابية، والمجاهرة بالعداء لعملاء الملالي، ومقاومة التدخل الفارسي في الشؤون الداخلية، وفي الوقت نفسه إقفال كل الأبواب بوجه ريح السموم التي تهب على العراق من الخارج، فهل ينجح العراقيون بذلك ويتعلمون من دروس التاريخ التي أوردنا بعضها في هذه السطور؟

You might also like