من يعيد بغداد “بستان العطية”؟

أحمد عبد العزيز الجارالله

من الطبيعي عند الحديث عن بغداد أن نستذكر ما حفظته عنها كتب التاريخ، لنقارن بين عاصمة العلم والحضارة في العالم القديم، والمدينة التي يلفها الرعب والخوف من التفجيرات المتنقلة وسطوة الميليشيات المسلحة التي زرعتها إيران ورعت انتشارها وعززت تسلطها.
من سخرية القدر أن يعود أحفاد الغزاة الذين طردوا قبل قرون طويلة من “بستان العطية”، أو “هبة الإله” كما تعرف في اللغات القديمة، إليها من خلال أحصنة طروادة طائفية مهلهلة.
ظلت بغداد حتى العام 1958 واحدة من أهم المدن العربية ثقافة، كانت مدينة النور والمعرفة والفنون والاقتصاد، فمنها خرج زرياب ومثله آلاف الشعراء والفنانين، ومنها أيضاً خرج قادة فتوحات كبيرة، كالرشيد وقبله المنصور، وربما كانت بحاجة اليوم إلى حجاج بن يوسف كالذي اختاره عبدالملك بن مروان كي يحكم ولاية هددها الغزاة يومذاك ليعيد بغداد إلى ما كانت عليه قبل أن يستن القتلة الانقلابيون عادة السحل التي بدأوها مع الملك فيصل ونوري السعيد والتمثيل بالجثث حين جاء من يسمون أنفسهم ثوريون قبل ستة عقود ليعيثوا فيها خراباً بدءاً من عبدالكريم قاسم وليس انتهاء بنوري المالكي، وقبله صدام حسين.
هذه المدينة التي كانت مقصد العالم القديم، عاصمة لدولة تطفو على بحر من النفط والثروات المعدنية التي لم يشهد التاريخ عملية نهب ممنهجة لها مثل ما حصل في العراق طوال العقود الستة الماضية، تبدو اليوم عجوزاً بائسة جار عليها الزمن، جراء ما فعله فيها أبناء عاقون.
“بستان العطية” التي كانت تطعم الجيران من مزروعاتها، ونخيلها، وتسقيهم من رافديها، تتضور اليوم جوعاً ويكاد يقتلها الظمأ نتيجة الفساد الذي نشرته فيها جحافل العمالة الإيرانية، بعدما أشعلت نيران الطائفية في كل الأرجاء كي تستحوذ على السلطة بقوة الترهيب، حتى وصل حجم المبالغ المنهوبة إلى نحو 200 مليار دولار، لو أنفقت على التنمية لجعلت العراق دولة متقدمة على كل الصعد، وربما يابان العرب وأعادت بغداد إلى ما كانت عليه في العصور الذهبية.
في السنوات الأربع الماضية، ورغم سيطرة “داعش” على مساحات كبيرة من العراق بدعم غير مباشر من إيران لتبرير وجود الميليشيات العميلة لها لتنفذ مشروعها التوسعي، إلا أن حكومة العبادي حققت بعض التقدم يتطلع الجميع في الإقليم إلى أن يتوسع أكثر.
هذه الحكومة تخوض حالياً واحدة من أشرس المعارك الإصلاحية وتنعقد الآمال عليها كي تستكمل مسيرتها، وأن يشمل قرار مصادرة أموال وأملاك قادة حزب البعث قادة الميليشيات الطائفية أيضاً حتى تصبح الانتخابات التشريعية في مايو المقبل معبرة عن إرادة العراقيين كافة الذين ذاقوا الأمرين من طغيان الفساد بحجج طائفية والتسلط الميليشياوي الإيراني.
لعل حيدر العبادي يستطيع تحقيق انتصار ساحق على عصابات النهب الممنهج، إذ لن يستقر العراق طالما ميليشيات العمالة الطائفية تسرح وتمرح وتفرض سطوتها على الناس، وأولى خطوات ذلك يكون بجمع السلاح الذي يجب أن ينحصر بيد الجيش والقوات المسلحة، عندها يمكن القول إن العراق استعاد بعضاً من ماضيه المشرق.