ميتافيزيقيا العذاب العراقية

داود البصري

للعراق والعذاب تاريخ حافل بمآس وكوارث مستمرة سجلت أحداثا مروعة في مسيرة التاريخ العراقي العامرة بالدم والأشلاء والعذاب بمختلف أصنافه, وهو عذاب متوالي عبر القرون والفصول مؤسسا لمعاناة تاريخية لا نظير لها في عالمنا المعاصر.
ثمة منغضات هائلة وتحديات كبرى تواجه العراق, وهو يسبح في بحر مشكلات الفشل الحكومي الذي تفاقمت أحواله, وتطورت ملفاته, وتشعبت اشكالياته وتفرعاته, لقد تكالبت على رؤوس العراقيين في أصعب فصل صيف مر عليهم مشكلات متعددة تبدأ من الطبيعية ولا تنتهي عند حدود مشكلات الطائفية والقتل المجاني والتفخيخ الإرهابي والفشل السياسي في بناء الدولة, والذي انعكس على الأوضاع العامة بعد ترسخ حالة الصراع المرير بين الطوائف والقوى المتصارعة, فالدولة العراقية قد ضعفت بالكامل, بل وتلاشت هيبتها وأضمحل تأثيرها مع تغول الجماعات الطائفية المدعومة إيرانيا التي باتت ترفع علنا شعار السيطرة على السلطة وبناء الدولة الطائفية بمواصفات رجعية وظلامية لا تختلف أبدا عما تدعوله الجماعات المتطرفة الأخرى, ولعل إنهيار هيبة السلطة قد تحول لفضيحة إقليمية من خلال التصرف الذي قام به وزير خارجية النظام الإيراني محمد جواد ظريف خلال زيارته الأخيرة للعراق, والتي بدأها ليس من العاصمة بغداد كما هومفترض ومعروف بروتوكوليا, بل من النجف, حيث تم إطلاع مكتب المرجع علي السيستاني, قبل إطلاع الحكومة العراقية في بغداد, على فحوى وطبيعة الإتفاق الغربي الإيراني حول الملف النووي الإيراني, وهوتصرف لم يلاق أي إحتجاج أو اعتراض من أي طرف بالسلطة, بما فيه البرلمان العراقي المغيب بالكامل في ظل الصراع على ملف تخفيض رواتب ومخصصات أعضائه التي استنزفت ميزانية الدولة المثقوبة أصلا.
على كل حال يبدو أن موجة الحر الشديدة التي تضرب العراق والتي تجاوزت درجات الحرارة فيها الخمسين درجة مئوية في ظل انقطاع التيار الكهربائي الدائم والمستمر قد أضاف للحريق العراقي المشتعل نيران جديدة مضطرمة ما اضطر الحكومة لإعلان عطلة رسمية تستمر أربعة أيام, لكن تلك العطلة بطبيعة الحال لا تشمل المقاتلين المتشابكين في معارك غرب العراق والتي تحولت لحالة استنزافية رهيبة للجيش والميليشيات الطائفية المشتركة معه في إدارة العمليات, وحيث أكدت تقارير عسكرية متخصصة, أميركية تحديدا ارتفاع أعداد الخسائر والإصابات المباشرة في صفوف الجيش والحشد ما أدى لفشل عمليات إعادة السيطرة على الأنبار, أما الفلوجة فقصتها مختلفة بالكامل وتحكي حكاية صمود أسطورية لم تستطع معه قوات المارينز الأميركية حسم السيطرة النهائية قبل عشرة أعوام, كما لم تستطع آلة الحرس الثوري الإيراني ولا الوعود بإقامة صلاة عيد الفطر فيها, ولا من تحقيق المطلوب, فالصراعات البينية بين الجماعات المتحاربة ذاتها قد شهدت تصعيدا مع ارتفاع التبرم من نسبة ارتفاع الخسائر, كما أن ميليشيات الحشد التي تقاتل بكثافة في صحارى العراق اليوم قد أضحت عاجزة عن مواصلة قتالها في ريف دمشق دعما للنظام السوري الذي طلب من المستشار الأمني الحكومي العراقي فالح الفياض مواصلة إرسال الميليشيات لدعم الجيش السوري في جبهة ريف دمشق.
هنالك فشل حكومي ورسمي عراقي في مختلف مجالات إدارة الصراع, وثمة مخاوف حقيقية من انهيار عسكري شامل في الجبهات يشمل قيادة الجيش والحشد الشعبي يعقبه انهيار سياسي وإقتصادي قد يؤدي لتورط وتدخل إقليمي واسع النطاق وزيادة حالة الانفجار الداخلي المروع بعد وصول الأزمة الداخلية لطريق مسدود في ظل تراكم الفشل وتحوله لمنهج حياة في العراق, ومع تصاعد درجات الحرارة بشكل رهيب تعيش حكومة حيدر العبادي القلقة أصلا سخونة التحديات وعدم القدرة على الحسم بعد تغلغل الفشل في خلايا دولة الطوائف المتصارعة التي تعيش اليوم ساعات الحقيقة بين مستقبل غامض وواقع مؤلم وعذاب مرهق يعانيه العراقيون وهم يسبحون في محيط أزمات لا تنتهي… كان الله في عون الفقراء والمعذبين الذين يدفعون أثمان فشل النخب السياسية المنهكة.
*كاتب عراقي
com.dawood.albasri@hotmail