مُتضرِّرو السيول يُريدون العنب… لا قتل الناطور

0 1٬296

تعليقاً على ما حدث، أخيراً، من سيول جرّاء الأمطار التي هطلت في الأيام الماضية على الكويت، نُهدي هذه القصة إلى سمو رئيس مجلس الوزراء الشيخ جابر المبارك: “يُروى، والعُهدة على الراوي، أنَّ الحجاج بن يوسف الثقفي حين ولي على العراق، أمر الناس أن يحملوا فانوساً أثناء التجول في شوارع بغداد، وكان هناك رجل بدوي يسكن الصحراء، أراد في يوم من الأيام قضاء حاجة له في بغداد، وحين دخلها ليلاً من دون فانوس ألقت الشرطة القبض عليه، واقتيد صباحا إلى ديوان الحجاج للمحاكمة.
حين دخل الرجل على الوالي سأله: لماذا لم تمتثل لأمرنا بحمل فانوس؟
فقال البدوي: “أنا رجل أسكن الصحراء، ولا علم لي بأمركم هذا، ولست من سكان المدنية”.
فقال الحجاج: أرى في كلامك الصدق، لكن هذا لن يعفيك من العقاب، كي لا يُقال إننا نتهاون مع الناس، وبهذا تكون، أيضاً، عبرة لغيرك”.
كأنني أرى هذه القصة تتكرر اليوم عندنا، لكن بشكل آخر، إذ بعد هطول الأمطار بغزارة، وأكثر مما هو متوقع، بدأت المطالبات باستقالة الحكومة، ورحيل الوزراء، فيما حدثت كوارث مشابهة في الدول المجاورة، كالسعودية وقطر والبحرين والإمارات، ولم نسمع عن مطالبات بإقالة الوزراء أو الحكومة، إنما عمل الجميع على إصلاح ما خرَّبته الأمطار، وبدأت المؤسسات المعنيَّة العمل على حصر الأضرار وتعويض المواطنين.
نعم، لا أحد ينكر أنه لا بد من العقاب، أو بالأحرى البحث في أصل المشكلة والعمل على تلافيها، لكن ليس من المنطقي استغلال أي حادث أو كارثة من أجل تصفية حسابات نيابية، أو بث أحقاد ذات مغزى معيَّن ضد هذا وذاك، فالكوارث الطبيعية تحدث في كل مكان من العالم، ولم نسمع أن أحداً قال لرئيس الوزراء اذهب إلى بيتك، أو طالب بإقالة هذا الوزير أو ذاك، لأن هناك ثقافة مؤسسات، وأصول قانونية مُتَّبعة، أما عندنا نجد من يسارع إلى قتل الناطور، ويترك العنب يخرب على الدوالي.
في الأصول القانونية أن يكون هناك نظام تأمين واضح الشروط، يدخل في ضمنه الكوارث الطبيعية والحروب، وحتى أعمال الشغب، إضافة إلى التعويضات التي تدفعها الدولة، وفي الكويت هناك ملاءة مالية لتغطية هذه الكوارث، وتعويض المواطنين الذين تضررت منازلهم وسياراتهم وممتلكاتهم، لا أن نحصر الأمر في تصفية الحسابات السياسية.
لا شك أن هناك جزءاً كبيراً من البنية التحتية أُنشئ قبل نحو أربعين عاماً، وغالبية الذين نفذوا هذه المنشآت أصبحوا في الحياة الآخرة، فهل نطالب بإخراجهم من قبورهم لمحاسبتهم؟
نعم، هناك بنية تحتية في مناطق حديثة جديدة، لكن هل أجريت الدراسات على أساس هذه الكمية من الأمطار، أم أخذ بالمعدلات السنوية التي اعتادت الكويت عليها، وبنيت على أساسها مجاري الأمطار؟
ربما بات من الضروري تغيير ثقافة التأمين لدينا، كما هي سائدة في غالبية دول العالم، حين يجري التأمين على المنازل والممتلكات، ليس فقط ضد الحرائق، إنما أيضا ضد الكوارث الطبيعية على اختلاف أنواعها، ومنها السيول والأمطار.
في الكويت ثمة امتياز دستوري يضمن التعويض، وفقاً لنص المادة 25: “تكفل الدولة تضامن المجتمع في تحمُّل الأعباء الناجمة عن الكوارث والمحن العامة”، هل الذين لجأوا إلى استغلال هذه الكارثة الطبيعية قرأوا جيداً معنى هذه المادة؟
لذلك الاكتفاء بمطالبة الحكومة بالرحيل أو إقالة هذا الوزير أو ذاك يعني أن الذين تضرروا سيكتشفون بعد فترة، إذا لم يجر تعويضهم، أنهم قتلوا النواطير ولم يأكلوا العنب، وهذا بحد ذاته يعني أمراً واحداً، وهو غياب الحلول الواقعية، فيما المطلوب العمل الجماعي لمعالجة أسباب الكارثة، كي لا نعود في السنوات المقبلة ونقع في نقعتها.

أحمد الجارالله

You might also like