روايته «القبو» حازت المركز الأول بمسابقة قصور الثقافة

ناصر عاشور: المثقفون والأدباء… هم الذين يصنعون الطواغيت روايته «القبو» حازت المركز الأول بمسابقة قصور الثقافة

القاهرة – مشيرة عكاشة:
تعكس رواية القبو للكاتب ناصر عاشر صورة للواقع المظلم الذي يتعرض له الانسان خلال رحلته للبحث عن الحياة والحقيقة والذات فمن خلال الشخوص نجد عالماً سردياً له نكهة اسلوبية خاصة تجعلك تبحر معه وتغوص في عالمه لتتخيل ما يحدث في «كفر حكيم» من استقواء الطاغية على العامة الضعفاء الذين هم في حاجة دائمة الى المال، وفي خوف دائم من السلطة ويؤكد عاشور في روايته الحاصلة على المركز الاول في المسابقة الادبية المركزية للعام 2017 عن الهيئة العامة لقصور الثقافة المصرية ان العقل العربي يحقر بعض المهن وينظر لها نظرة سيئة وينظر الى بعض المهن انها نبيلة فربما تذهب المرأة الى مركز تجميل مثلاً وتدفع بسخاء لكنها تضن على الحفافة التي تؤدي نفس العمل لكنها تأتيتها الى منزلها وتؤدي عملها مقابل اجر بسيط والامر لا يقتصر على المهن فقط فالمرأة لكونها امرأة تعاني من هذا التفاوت اساساً فنظرياً تمتلك المقومات الدينية والاخلاقية التي تؤهلها لان تنال مرتبة عليا لكن عملياً نلحظ تفاوتاً ملحوظاً في التعامل معها.
– تنقسم الرواية لثلاث فصول للبحث عن الحياة والحقيقة والذات كيف ترى هذه المعطيات؟
/ المرأ لا يبحث الا عما هو مفقود ومهم بالضرورة وتكمن خطوة فقد هذه المعطيات الثلاث في ان يحيا الانسان بالوهم الذي يتعارض مع الحقيقة ولا تتعارض الحقيقة مع الوهم فقط ففي زاوية اخرى تتعارض مع الصدق فالوصول الى حقيقة الاشياء يضمن للمرأ الانتفاع بها بل وتسخيرها لاسعاده فاول ما يسعى اليه الفلاسفة هو تحديد الاشياء من حيث كونها حقيقية ام زائفة وليس طريق الوصول الى الحقيقة مفروشاً بالورود اما الحياة فهي مقابل الموت وهي بابسط التقديرات الفترة التي يحياها الانسان منذ مولده حتى مماته فكيف لا يسعى المرء الى الحياة ونقيضها الموت والفناء الحياة هي الوجود والكينونة اما الذات فهي تصور المرء عن نفسه وغالباً كلنا يملك تصوراً ايجابياً عن نفسه يسعى لتحقيقه فيظل المرء عبر رحلته في الحياة حتى يتوصل الى الصورة الذهنية التي يرسمها لنفسها ومن نافلة القول ان المرأ في رحلته عبر الحياة يسعى للتوصل الى حقيقة الامور ليسعد ذاته وتحقيق الصورة الايجابية التي يرتضيها لنفسه.
– تبحث نرجس عن الحياة داخل كفر حكيم المليء بالظلم والعبودية؟ فهل من حياة وسط العبودية؟
/ ان بحث نرجس عن الحياة خاضع لتصورها الذاتي عنها والذي كونته عبر حكايات امها عن حياة لم تعشها يوماً وانما كانت مشغوفة بأن تحياها عبر مقارنتها لما آلت اليه وم ايفترض ان تحياه لو لم تنتقل الى هذا الكفر وهي صغيرة لا تدري لم جاءت الى هنا ان تصورها الخاص هو ما حدا بها بمجرد ان رأت الحياة داخل القصر فظنتها هي الحياة الحقيقية وهي لا تظن ان ما كان خارج القصر هو حياة بل ربما هي ضدها اي الموت اما داخل القصر فقد وجدت الحكيم الذي انبهر للوهلة الأولى بشبابها واستطاعت ان تحصل على مكاسب تدعم ما تكون في مخيلتها من تصور عن الحياة هي لم تعان العبودية ولم تصطدم بها بل اعتبرت انها نجت من ظلم الحياة خارج القصر فاعتبرت نرجس انها صحت بحريتها بشكل ما مقابل حصولها على الحياة التي تصورت انها المثى لها لقد قدمت نرجس ثمناً لهذه الحياة التي عاشتها لفترة قصيرة داخل القصر.

تناقضات
– تعمل الحفافة على تجميل وتهذيب وتزيين النساء ليصبحن ملكات جمال في اعين ازواجهن ورغم ذلك يضطهدها اهل القرية من النساء والرجال ويربطون مهنتها بالعار الى اي مدى تجد تناقضات في المجتمع العربي؟
/ هذه سوسيولوجيا العقل العربي الذي ينظر الى بعض المهن انها نبيلة في حين ينظر الى مهن اخرى على انها غير لك ففي حين يتفق العالم على النظرة الخطية والمتكاملة الى المهن فالمجتمع يحتاج الى المزارع الذي يطعم السائق ليقوم بدوره بنقل الطبيب الى عيادته ليتمكن من مداوة المزارع وفي حين نتشدق بلفظة عمل شريف الا اننا نحقر الكثير من المهن فربما تذهب المرأة الى مركز تجميل مثلاً وتدفع بسخاء ثم تضن على الحفافة التي تؤدي نفس العمل لكنها تأتيها الى منزلها وتؤدي عملها مقابل اجر بسيط والامر لا يقتصر على المهن فقط فالمرأة لكونها امرأة تعاني مثل هذا التفاوت اساساً فنظرياً نمتلك المقومات الدينية والاخلاقية التي تؤهلها لان تنال مرتبة عليا في الوطن ولكن عمليا نلحظ تفاوتاً ملحوظاً في التعامل مع المرأة فلا شيء يمنع المرأة من ان تصبح رئيسة حزب قوي في الجزائر مثل لويزة حنون زعيمة حزب العمال بل هناك جنرال قوي في الجيش ورغم ذلك تعاني المرأة فيما يتعلق بالاحوال الشخصية هناك كما لا يمنعها ان تحظى بمعاملة المثل مع الرجل في كافة الحقوق وفي تونس توجد منظومة تكفل مشاركة المرأة وتضمن حضورها الطاغي في كافة المجالات الثقافية والعلمية بينما في دول اخرى نجدها تسعى لتنال حقها في الجلوس الى عجلة القيادة.
– ولماذا لم تستطع الدفاع عن نفسها وتواجه الحكيم بابنه الذي اكد اهل الكفر انه سفاح؟
/ كان الحكيم غائباً عن الكفر هكذا نجح تدبير فتاة من فتيات القصر في ابعاده فنجح كيد امرأة فيما فشل فيه تدبير الرجال بعد احساس الجميع بخطر من مغبة ولادة طفل لنرجس.
– يشكل حكيم الكفر دور الطاغية المسؤول عن كل الظلم والاستعباد لماذا يكون الطاغية دائماً من يملك المال والارض؟
/ هذا هو محور الصراع الطبقي المنببني على النظرية الماركسية الذي يجعل في مقدمة اسباب الصراع بين الطبقات الاجتماعية الصراع بين العامة وملاك الارض الفكرة اتت بعد صراع اقتصادي بين طبقات متناحرة فطبقة تستغل الاخرى ومستمرة حتى يومنا هذا فالملاك والعامة في تعارض دائم وكانت بينهم حرب مستمرة تارة ظاهرة وتارة مستترة وعناصر القوة في المجتع هي المال والسلطة وبالمجمل هذا هو محور استقواء الطاغية على العامة الضعفاء الذين هم في حاجة دائمة الى المال وفي خوف دائم من السلطة.

صناعة الطواغيت
– هل نحن من نساهم في ازدياد جبروت وظلم الطاغية؟
/ ماذا كان فرعون قبل ان يحكم مصر وما الذي حدا به ليقول انا ربكم الأعلى بل قال لهامان يا هامان ابن لي صرحا لعلي ابلغ الاسباب اسباب السماوات فاطلع الى اله موسى صنعوا منه طاغية الى درجة الصنمية فيقول ما علمت لكم من اله غيري ما الذي اوصله الى ذلك الا انه استخف قومه فاطاعوه ففرعون صناعة المصريين والنمرود الذي قال انا احيي واميت صناعة البابليين وكلاهما لم يكن طاغية بفطرته وشارك المثقفون والادباء على مر العصور في هذه الصناعة ويكفي ما قال ابن هانئ مادحاً الخليفة الفاطمي:
ما شئت لا ما شاءت الاقدار
فاحكم فانت الواحد القهار
– يحاول صابر «الكلاف» البحث عن الحقيقة حتى يعرف من تكون امه وماذا حدث معها ومن المسؤول عن حرمانه منها فهل كان قتله للحكيم انتقاماً منه لما فعله بامه؟
/ ان الكلاف في رحلة بحثه عن الحقيقة لم يكن يبحث عن حقيقة نسبه ولا حقيقة ما حدث لامه بل كان في رحلة بحث عن حقيقته هو كصابر، انا لم افصح عن كون الكلاف هو من قتل الحكيم لقد كان صابر يبحث عن حقيقته هو كابن من ابناء آل حكيم وانهم هم المسؤولون عن حرمانه في الحياة حتى من ان يكون له ام وأب مثل باقي مخلوقات الله فقد تعرض صابر للغبن والظلم وهو بعد توصله للحقيقة يبحث بمقتضى ما توصل اليه من حقيقة عن حقه الذي حرم منه فكما قلت في اجابتي عن السؤال الاول ان البحث عن حقيقة الاشياء من زيفها يؤدي الى معرفتنا كيفية الاستماع بهذه الاشياء فصابر بوصوله للحقيقة يضمن معه الحصول على حقه ليمارس حقوقه كولي عهد يستحق ان يرث ويحكم.
ولماذا كان الحرق وسيلة الانتقام ان العقاب بالحرق هو من شأن الله عز وجل حتى انه هناك خلاف حول جواز ان يعاقب البشر بالحرق فربما اردت ان اقول ان هذا عقاب الهي جراء ما يرتكب الحكماء ولم اصرح ان الكاف هو من قضى على حياة هذا الحكيم بل قدمت مسوغات عدة محاولة ان اثبت ان الحادث كان قضاء وقدر.

الجلاد والكاهن
بالعودة لنرجس نجد امام المسجد يستخدم الدين لحشد الاهالي ضدها ورجمها بالحجارة ووصفها بالزانية لماذا يستخدم الدين لترويج مصالح شخصية؟
يقول لينين الطبقات الحاكمة كلها تحتاج من اجل الحفاظ على سيطرتها الى وظيفتين اجتماعيتين هما الجلاد والكاهن» وللدين مكانة كبرى في نفوس العامة ربما لهذا يحب الحكام تقريب رجال الدين من مقاعدهم فيتعرض رجال الدين لاستغلال من الطبقات الحاكمة وذلك لمصلحتها وهي تتخذ منه قناعة لسياستها ومصدرا مهما لشرعيتها وكذلك وسيلة من وسائل القمع التي تستخدمها وقد انتهى ذلك عند الغرب منذ قرون اما عندنا فتستخدم الذقون للضحك على ذقون العامة!
– هل نرى اسقاطاً سياسيا من شخصية الحكيم على بعض الحكيم على بعض الحكام العرب؟
/ لم احاول ذلك ولا عمدت اليه لكن بالطبع الحكيم يصلح لان يكون رمزا لكل حاكم طاغية على مر الازمنة والامكنة وللعلم الرواية بدأت كتابتها في العام 2001 وتركتها حتى عدت في العام 2014 بعد انقطاعي عن الكتابة طيلة هذه السنوات.
– يحاول صابر «الكلاف التفريق بين الحق والحقيقة، ترى هناك فرق بينهما؟
/ في اصل اللغة الحقيقة ما وضع من القول موضعه حسنا كان او قبيحا والحق ما وضع موضعه من الحكمة فلا يكون الا حسنا وانما شملهما اسم التحقيق لاشتراكهما في وضع الشيء منهما موضعه من القول والحكمة فالحقيقة هي التعرف على واقع الامر وصدقه وما اقصده بالحق هنا هو حقوقه المادية والمعنوية التي يستحقها الكلاف بمجرد ظهور حقيقته كوريث شرعي لال حكيم. يعتلي صابر كرسي الحكم ويتأمل نفسه مكان الحكيم الذي يأمر وينهي اهل القرية.
– هل يصنع الظلم طاغية جديدا؟
/ ربما، فقد يدفعه الظلم لاجراء سلوك تعويضي يعوض ما تعرض له من ظلم محاولا فرض صورة ذهنية تطمس ملامح هذا الضعيف في عيون العامة الذين قد يعرفونه مسبقا ليفرض حاجزا بينه وبينهم.
– كيف يجد «حواس» ذاته داخل الكفر؟
/ الاقتراب من شخصية حواس تشي لك بعضا من اسراره فهو الحكاء الذي يحب ان يكون بطل المجالس وهو بطل هذه الحكايات ايضا فحواس محور الجلسات وبطل الحكايات وهو وايضا رفيق وشريك كل عامل والاعمال داخل الكفر لا تتم الا به وتتعطل الحياة في الكفر اذا ما غاب هكذا يجد حواس ذاته وهو ما افتقده حواس بعد ان نزل الحكيم الى القرية وتبوأ مقعده وسط الحلقة التي صار الحكيم محورها.
لماذا لم يكشف حواس لغز القبو في نهاية الرواية؟
على القبو ان يظل قبوا حتى لا تفقد الاشياء حقيقتها ولا تفقد معناها وحتى يبقى لكل منا تفسيره الخاص للقبو فلا يفقد قيمة ابهامه ولا يفقد ما يثيره فينا من مخاوف وتساؤلات هي لصيقة بالقبو.
– ما مشاريعك الابداعية الجديدة؟
/ انهيت لله الحمد مجموعة قصصية بعنوان «حجر في عين الشمس» ورواية «مقهى الليثي» وشرعت في رواية جديدة بعنوان «رجل يستحق القتل» كعنوان مؤقت.