روائي وصحافي وفنان تشكيلي يرى الأمية في بلادنا العربية لعنة

ناصر عراق: قرأت لنجيب محفوظ وطه حسين فقررت أن أصبح مثلهما روائي وصحافي وفنان تشكيلي يرى الأمية في بلادنا العربية لعنة

القاهرة – رحاب أبو القاسم حامد:
بدأ الكتابة في سن متأخرة ورغم ذلك استطاع أن يتقدم ليصبح في الصفوف الأولى، يعتبر حصوله على جائزة «كتارا»، عن رواية «الأزبكية»، نتاجا طبيعيا لجهده وتكريمًا لمسيرته الأدبية، يعتز بمجلة «دبي الثقافية»، التي شارك في تأسيسها، ويصفها بـ«ابنته الرائعة».
حول مشواره الأدبي والجوائز التي حصل عليها وآخر أعماله الروائية، التقت «السياسة»، الكاتب الصحافي، الروائي، الفنان التشكيلي ناصر عراق، في هذا الحوار.
– لماذا تأخرت في الكتابة الروائية رغم بدايتك المبكرة في العالم الصحافي؟
* شرعت في كتابة أول رواية العام 2001، كنت على مشارف الأربعين، كانت «أزمنة من غبار»، ظللت أكتبها طوال أربع سنوات ونصف السنة، صدرت في فبراير 2006، يعود هذا التأخر إلى فضيلة «الرعب»، رغم أن حلم كتابة الرواية يراودني منذ قرأت «الأيام» لطه حسين 1976، قلبت حياتي رأسا على عقب، كنت طالبا في الصف الثالث الإعدادي، قررت ان أكون مثل هذا الرجل.
– هل تأثرت بطه حسين فقط؟
* لا، بعدها بشهور قليلة قرأت ثلاثية نجيب محفوظ، طار عقلي، قلت لنفسي يجب أن أكتب روايات مثل طه ومحفوظ، لكن نعود إلى فضيلة «الرعب»، التي جعلتني أسأل نفسي : من أنا لأكتب مثل طه؟ هل عندي مهارات تسمح لي بالكتابة مثل محفوظ؟، هكذا ظللت مترددا من قرن إلى آخر.
– متى اتخذت خطوة الكتابة؟
* حرصت دوما على أن أقرأ، أعمل، أكتب، أبحث، أسأل، حتى خيل إليّ أنني صرت قادرا على خوض عباب بحر الرواية، لقد كتبت أكثر من سبعين قصة قصيرة لم أنشرها ولا أريد، كتبتها منذ المرحلة الثانوية حتى أواخر التسعينات، كنت أريد التدريب على الكتابة وليس النشر.
– ما كان هدفك من الكتابة في ذلك الوقت؟
* كنت أريد أن أصبح روائيا وليس كاتب قصة قصيرة، أما الصحافة فهي عشقي الدائم منذ الصغر، ولدت في أسرة تناقش قضايا السياسة، الثقافة، الأدب، الفن، بشكل يومي، كان أبي لا يتوقف عن فتح حوارات مطولة مع أشقائي الكبار حول أهم القضايا المصرية، العربية، العالمية.

قدوة
– هل تعتبر والدك مثلك الأعلى؟
* بكل تأكيد، والدي الراحل الجليل عبدالفتاح إبراهيم عراق، كان مثلًا أعلى ليس لي فقط، إنما لكل من اقترب منه، كان مثقفًا عصاميا بامتياز، رغم أنه اضطر إلى ترك المدرسة في السابعة من عمره لوفاة والده، فالتحق بمصانع النسيج بالمحلة الكبرى، مع ذلك لم يترك الدراسة ، ظل يقرأ، يبحث، يسأل، قرأ لمعظم الكتاب المصريين والأجانب، حفظ أشعار المتنبي، أبي نواس، شوقي، حافظ، كما كان يعشق الموسيقى والطرب، غرس في أولاده حب العلم، الأدب، الفن، الثقافة بشكل العام حتى حصلوا على أرقى الشهادات الجامعية، كان يشرح لي وأنا طفل لم أكمل سن العاشرة قصائد شوقي التي يترنم بها عبد الوهاب، كما كان رساما ماهرا جدا باستخدام القلم الرصاص أو الجاف، كان رجلا فذًا واستثنائيا يتمتع بهيبة كبيرة تجبر كل من يتعامل معه على احترامه الشديد.
– هل تعتبر نفسك كاتبا محظوظا؟
* لاريب عندي في أن الحظ في الحياة له شأن ليس قليلا، وجودنا أصلا نوع من أنواع الصدفة، أو الحظ، من المهم جدًا أن نأخذ الحياة بجدية تليق بها، حتى نستطيع أن نثبت حضورنا الفعال، لأن الحظ السعيد يصيب غالبا بعض أولئك الذين يجتهدون ويخلصون في أعمالهم.
– ما رأيك في الكتاب الشباب؟
* هناك عدد لا بأس به من الشباب يمتلكون مهارات متميزة في الإبداع، الرواية، الشعر، القصة القصيرة، أظن أن مستقبلهم أكثر إشراقًا إذا التزموا وأخلصوا في عملهم، في الوقت نفسه هناك فئة من الشباب لا تبذل الجهد الكافي في تثقيف نفسها وتطوير مواهبها بالبحث، القراءة، التأمل، أتمنى لهم أن يعيدوا ترتيب أولوياتهم بما يفيد إبداعاتهم وطموحاتهم.
– هل ارتفاع نسبة الأمية في العالم العربي تأثير على الثقافة والأدب؟
* الأمية في العالم العربي لعنة، أذكر أن التقارير الرسمية تؤكد أن هناك 100 مليون أمي عربي من أصل 400 مليون نسمة، هم التعداد العام لكل العرب ، يعني أن ربع السكان لا يعرف القراءة والكتابة، الأمر الذي لا يؤثر على تردي الثقافة والأدب فحسب، إنما ينعكس على تدهور كل شئ في حياتنا.
– كيف ترى هذا الرقم؟
* مؤسف، محزن، مخيف، بنظرة سريعة سنكتشف أننا أصبحنا عالة على الحضارة الحديثة، نستهلك ثمارها التكنولوجية، لا ننتج شيئا ذا قيمة، كما أن الأمية تعني فتح الباب واسعا أمام انتشار الجهل وما يستتبعه من سطوة الخرافات والخزعبلات على عقول الناس، تعزز الأمية والوضع السائد بكل ما فيه من ظلم و قهر واستبداد، الشعوب المتعلمة فقط هي التي تستطيع تغيير حياتها إلى الأفضل، تستطيع مواجهة المستبد، الديكتاتور، ظاهرة الفساد إلى آخره.

جائزة كتارا
– ماذا تعني لك جائزة كتارا للرواية العربية؟
* أسعدني جداً هذا الفوز، لأنني أظن أنني بذلت جهدا جبارا طوال حياتي لتطوير نفسي، تعزيز مهاراتي الإبداعية، جاءت هذه الجائزة، فيما أتخيل، تكريما لمسيرتي في عالم الأدب، الكتابة، الصحافة، الثقافة بشكل عام، إذ جعلتني أشعر بأن لكل مجتهد نصيبا.
– هل تعتبر نفسك كاتب جوائز؟
* لا شيء اسمه كاتب جوائز، يوجد كاتب جاد وماهر، أظن أن الكاتب الحقيقي لا يكتب من أجل مطاردة جائزة هنا أو اقتناص تكريم هناك، إنما يكتب تحت ضغط إلحاح داخلي يؤرقه باستمرار، إنه يرغب في التعبير عن نفسه وعما يراه حوله، ليس له سوى الكتابة ليتحرر من هذا الضغط النفسي الجبار.
– هل تحلم بتحويل إحدى رواياتك إلى عمل درامي أو سينمائي؟
* الحلم الحقيقي أن أكتب عملًا متميزا يسعد الناس ويثير خيالهم، أما تحويل رواياتي أو إحداها إلى فيلم أو مسلسل، فهو أمر طيب، لكن الحلم شيء آخر.
– ماذا عن مجلة دبي الثقافية؟
* بالنسبة لي هي الابنة الرائعة، أسهمت بدور كبير في تأسيسها، كنت مدير تحريرها الأول، غادرت القاهرة في 23 يناير 1999 إلى دبي، لأساهم في تأسيس دار الصدى للصحافة، توليت رئاسة القسم الثقافي في مجلة الصدى الأسبوعية لستة أعوام ونصف العام، في منتصف العام 2002 طلب مني رئيس التحرير الشاعر الإماراتي سيف المري إصدار مطبوعة ثقافية، بالفعل بدأنا في وضع تصور العام لها يجذب القارئ العام، في الوقت الذي نحظى فيه باحترام القارئ المتخصص، وهكذا وضعنا تبويبا مختلفا وتصميما مبتكرا أبدعه الفنان المصري أيمن رمسيس.
– من اختار الاسم؟
* أذكر أنني اخترت لها اسم «دبي الثقافية»، ناقشته مع رئيس التحرير، الذي رحب بالاسم كثيرًا، هكذا أصدرنا العدد التجريبي الأول في ديسمبر 2002، التجريبي الثاني في يونيو 2003، أما العدد الأول فصدر في أكتوبر 2004، ليحقق قفزة مدهشة في عالم الصحافة الثقافية كما قال المتخصصون آنذاك.
– هل حققت ما كنت تصبو اليه؟
* في البداية ظلت تصدر بشكل فصلي، كل ثلاثة أشهر، في مطلع أكتوبر 2005 اصبحت إصدارا شهريا، كم كنت محظوظا لأنني استطعت باتصالاتي استكتاب كوكبة من كبار مثقفي العالم العربي ومبدعيه، كما استطعنا تكوين شبكة من المراسلين المهرة في معظم العواصم العربية وبعض المدن الأوروبية والآسيوية.
– لماذا تركتها؟
* ظللت أعمل في دار الصدى أحد عشر عاماً في دبي الثقافية ثمانية اعوام أصدرت خلالها 57 عددا، و33 كتابا من السلسلة، كما أصدرت أيضا سلسلة كتاب «دبي الثقافية»، كهدية مجانية توزع مع المجلة، كذلك «جائزة دبي الثقافية للإبداع»، التي انطلقت بقيمة 50 ألف ، ارتفع المبلغ حتى وصل إلى 200 ألف دولار، كنت المنسق العام للجائزة لست دورات متتالية، عندما غادرت دبي في فبراير 2010 تركت خلفي مطبوعة يتحدث عنها الجميع بكل حفاوة ومحبة.

البلاط الأسود
– ما دلالة اسم أحدث رواياتك «البلاط الأسود»؟
* حاولت من خلال هذه الرواية، رصد جوانب من الفساد الصحافي في مصر في الربع قرن الأخير، رأينا بكل أسف حفنة من الصحافيين الفاسدين الذين نافقوا كل حكام مصر من مبارك حتى هذه اللحظة، كما نعلم أن من ألقاب الصحافة «بلاط صاحبة الجلالة»، المفروض أنه بلاط نقي وصاف، ينقل المعلومة والخبر، يقدم التحليل الرصين، لكن على يد هؤلاء الصحافيين الفاسدين غدا البلاط أسود.
– من أين تستلهم شخصيات رواياتك؟
* من الواقع اليومي، من قراءاتي وتأملاتي في الحياة قديمها وجديدها، أعتبر نفسي شخصا واقعيا جدا، لكنه مسكون بخيال كبير قوامه الحلم بنهضة بلدنا.
– ما رسالتك للقارئ؟
* الكتابة الجادة الجميلة تحمل بالضرورة رسالة ضمنية للقارئ، لا أحاول سوى إرضاء ذائقتي الإبداعية التي تكونت على مدار نصف قرن تقريبا. أغلب الظن أنها تتوافق مع ذائقة القارئ الجاد الذكي.
– ما تأثير دراستك في كلية الفنون الجميلة وعملك كصحافي على كتاباتك؟
* بكل تأكيد، دراسة الفن منحتني أبعادا أخرى في رؤية الأشياء، العمل الصحافي وهبني نعمة الاقتصاد في الكتابة.الابتعاد عن الثرثرة، الإصرار على التعبير بلغة رشيقة وجذابة.
– ما الذي تحرص عليه في كتاباتك؟
* أمارس الكتابة يوميًا، أكتب عادة في الصباح المبكر جدًا، أجلس على مكتبي منذ الخامسة والنصف صباحا، لا أكتب إلا في صمت تام ، لا موسيقى، لا كلمة، لا همسة، أحرص دائمًا أن تكون كتاباتي ممتعة، مفيدة، مثيرة للأسئلة.
– ماذا تعني لك المرأة ؟
* نعمة الدنيا، الكنز الكبير للرجل إذا عرف كيف يتعامل معها.
– ما أعمالك المستقبلية؟
* أعكف على كتابة رواية جديدة، أرجو أن تجد صدى طيبا لدى القراء.