نبي الله إلياس ودعوة التوحيد في جبل قاسيون حضارات بائدة في آيات خالدة

0 269

إعداد – نورة حافظ

على مر الأزمنة، تأتي حضارات وتنتهي، لتحل محلها حضارات أخرى، وكم من حضارات زالت ولم يعد لها وجود، وزالت معها اسماؤها وشعوبها، وقد تناول القرآن بعض هذه الحضارات ولولاه لما عرف الكثيرون عنها شيئا، يقول تبارك وتعالى: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ) [القصص 58]. وفي هذه الحلقات اليومية تتناول ” السياسة ” قصص هذه الحضارات والشعوب التي ذكرها القرآن في آياته الخالدة.

قال تعالى: “وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ” الصافات(128 إلى 130)
بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوته من مكة إنفاذا لأمر ربه بدعوة قومه والأقربين أولا إلى ترك عبادة الأصنام وعبادة الله الواحد الأحد، أنكر قومه ذلك وآذوه هو ومن أتبعه، ولكن الله سبحانه وتعالى أرسل في وحيه إليه ما يسريه ومن اتبعه ويثبتهم، وكذلك يحمل إنذارا إلى الكافرين والمشركين بعاقبة عملهم كما كانت عاقبة من قبلهم ممن أنكروا وحدانية الله وعادوا رسله وآذوا من اتبعهم وليسوا أشد على الله ممن سبقوهم فأمر الكافرين على رب السموات والأرض هين، فكان القصص القرآنى ومنها قصة سيدنا إلياس -عليه السلام- أو كما أسماه العرب ياسين.
ياسين هو إلياس من ذرية هارون شقيق موسى عليهم السلام،وهو إيليا في كتب اليهود، أرسله الله إلى بني إسرائيل، متصديا لقضية عقائدية وهى تصحيح ما شاب الفطرة التى فطر الله الخلق عليها كما فطر أبوهم آدم عليه السلام، وهي التسليم بوحدانية الله وعدم إشراك معبود معه وتنقية الصلة بالله مما شابها،”إن إلياس لمن المرسلين” (الصافات 123)، “وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين” (الأنعام 85).
وجد إلياس عليه السلام قومه من بني إسرائيل يعبدون من دون الله صنما أسموه “بعلا ” فتوجه إليهم هاديا قائلا لهم: إنكم تعبدون صنما وتتركون عبادة الله الذى خلق العالم فأحسن صنعه،وهو الذى خلقكم وحفظكم أنتم وآباءكم الأولين فهو الجدير بالعبادة، فأعدلوا عن غيكم وخافوا الله واتقوا عذابه.
عصى القوم ربهم وتجاهلوا دعوة نبيهم، عدا المؤمنين الذين استجابوا لدعوة إلياس، حتى يأس من الكافرين ودعا عليهم بأن يبدل الله حالهم وما بهم من نعمة حتى يزول غرورهم، فجعل الله أمر أرزاقهم بيده يأمر فيها بما يشاء تنكيلا بهم وجزاء إبدالهم الهدى بالضلال، وكتبت عليهم النار في الآخرة، “فكذبوه فإنهم لمحضرون إلا عباد الله المخلصين” الصافات (128،127).
وقد كان ملك المدينة ضالا مثلهم يعبد الأوثان، فلما سمع بدعوة إلياس عليه السلام وتحريمه وتسفيهه للأوثان التى يعبدها اشتعل غضبه لجرأة إلياس وأمر بقتله، أصبح إلياس مهددا بالقتل ومطاردا وهذا قدر الأنبياء يجاهدون ليخرجوا الناس من الظلمات إلى النور بما حملوا من رسالات وكتب الله إلى الخلق.
في ذلك الحين، هرع إليه ابن عمه اليسع وخرجا معا فرارا من الملك الظالم، فهداهما ربهما إلى الاختباء في جبل اسمه قايسون – كما جاء في بعض الروايات -فعاش نبي الله إلياس- عليه السلام- ومعه اليسع حياة الناسك المتعبد الزاهد في الجبل منقطعا للعبادة عشر سنوات.
بعد ذلك هلك الملك الظالم واستجاب الله لنبيه ونجاه من الهلاك، فنزل ومعه اليسع من الجبل ليقابلا الملك الجديد، فلما التقاهما بذل له إلياس النصح قائلا: لقد مات سلفك كافرا ولن يغنه صنمه “بعلا” ولا غير “بعل” عن ذنبه وذنب من اغتر به واتبعه وهم آلاف ولا عن عذاب النار، فأفتح قلبك للإيمان.
لم يكن هذا الملك كسلفه، حيث انشرح صدره لحديث إلياس عليه السلام، وتبعه قومه إلا مجموعة منهم ظل يكافح كفرهم وضيق صدرهم من الإيمان مع إلياس عليه السلام حتى يئسا منهم، وعند ذلك أمر الملك بقتلهم جزاء كفرهم واستهانتهم بالواحد الأحد،كما جاء في بعض الروايات.

You might also like