نتف محسوس لريش الإيراني الطاووس

بات واضحا ان الاشتباك الاميركي- الروسي الحالي في كوريا الشمالية وأوكرانيا وسورية هو في حقيقته اعادة تظهير لخريطة مصالح قامت عليها توازنات الحرب الباردة قبل انهيار الاتحاد السوفياتي، وذلك بعدما ادركت روسيا- بوتين ان لا فائدة من فائض القوة الموروث عن حلف وارسو طالما انه لا يترجم مصالح اقتصادية حيوية في العالم، فيما الولايات المتحدة الاميركية التي حكمتها عقيدة التخلي عن الشرق الاوسط والاستدارة نحو اسيا في السنوات الثماني الماضية، ايقنت مع ادارة ترامب ان ذلك سيكلفها مصالحها التاريخية في الشرق الاوسط.
من البديهي ان الصراع على حافة الهاوية المستمر بين القوتين العظميين منذ نحو ست سنوات في المنطقة تحكمه تسويات يخرجها الساحر من قبعته في اللحظة الاخيرة، وعلى اساسها ترسم خطوط المصالح بين الدولتين، فيما اللاعبون الثانويون الذين بنوا رهاناتهم على التناقض المرحلي، خصوصا اصحاب المشاريع التوسعية، مثل النظام الايراني، سيكونون الخاسر الاكبر بعد انقشاع غبار الحروب بالوكالة، لانهم لا يملكون المجال الحيوي الدولي للمناورة كما هي حال المتصارعين الكبيرين.
الجميع يعرف ان في العقود الاربعة الماضية راهن نظام الملالي على تناقضات الحرب الباردة، وحاول اقامة شبكة نفوذ محلية في العديد من الدول، عرفت بما يسمى”احزاب الله” عمل من خلالها على تنفيذ عمليات ارهابية ليمارس الابتزاز السياسي تحت شعار “تصدير الثورة”، لكن حين وقع في فخ المذهبية التي أقام عليها تلك “الاحزاب”، خاصة بعد هزيمة الاتحاد السوفياتي في افغانستان، سارع الى استغلال جماعات ارهابية من طوائف اخرى، وتبنى تنظيم القاعدة، ودعمه سراً وأمن له المأوى والامداد، واليوم بعد تراجع نفوذ هذا التنظيم جاء دور “داعش” ليكون اداته الجديدة في الارهاب الدولي.
هذه الحقيقة يدركها الاميركيون والروس على حد سواء، وبالتالي اذا كانت موسكو تبدي، حاليا، مرونة حيال الوجود الايراني في سورية لأنها تستفيد منه في صراعها مع الاميركيين الذين لن يسمحوا للايرانيين ان يكرروا مأساة 11 سبتمبر، ولو بطريقة غير مباشرة، عبر “القاعدة” او “داعش” ولا ان يستمروا بتهديد مصالحهم الستراتيجية في الشرق الاوسط، الذي ساهمت به السياسة الرخوة لإدارة الرئيس الاميركي السابق باراك اوباما حين سلمت العراق لايران كإغراء من اجل دفعها الى التخلي عن ملفها النووي.
في كل هذه المعمعة تبقى شعوب عربية، وفي مقدمها الشعب السوري هي من يدفع الثمن الاكبر، والمراقب لما يجري في سورية يعرف مدى قابلية السوريين للتعايش مع وجود روسي، وحتى اميركي، على ارضهم اكثر من الوجود الإيراني و”حزب الله” نتيجة للمنهج المذهبي الذي يقوم عليه مشروع الملالي.
صحيح ان المشهد الدولي يبدو بغموضه الحالي وكأن العالم على شفير حرب عالمية ثالثة، لكن عملا بمبدأ “اشتدي ازمة تنفرجي” لا شك ان واشنطن وموسكو تدركان جيدا ان اي مواجهة مباشرة بينهما ستكون عواقبها وخيمة على الطرفين، لهذا ما بدأ يلوح في الافق يشير صراحة الى ان الازمة على ابواب الانفراج، وان التسوية خصوصا في الملف السوري لم تعد بعيدة، بعدما تحولت ازمة 12 مليون مهجر ونازح عبئاً على دول الاتحاد الاوروبي التي ترحب بأي حل يمكنها من اعادة هؤلاء الى ديارهم للمشاركة في اعادة الاعمار، بل ستعمل على المساهمة في ذلك بدفع التكاليف لأنها تبقى اقل وطأة من توطين الملايين على أرضها.
في الصراع على المصالح بين الدب الروسي والفيل الجمهوري الأميركي سنسمع كثيراً أصداء تكسير الفخار في المنطقة وزقاء الطاووس الايراني الذي ينتف ريشه على كل الجبهات.

أحمد عبد العزيز الجارالله

Print Friendly