نجاة الصغيرة… غنت للحب والرومانسية ولم تعشهما إلا في السينما نشأت في أسرة مضطربة ولم تهنأ بحياة عائلية مستقرة

0 6

قيثارة الإحساس 1-4

“كل الكلام” أعادتها في الثمانين من عمرها بعد غياب 15 عاماً
طائرات التحالف ألقت خبر رجوعها للفن فوق “داعش”!
عبدالوهاب أبلغ الشرطة لحماية موهبتها من سوء استغلال والدها
أحسنت اختيار أعمال تدوم ولم تنشغل يوماً بالانتشار

القاهرة – علاء الدين يوسف:
ما أشبه الليلة بالبارحة، “والله زمان يا نجاة” هتاف ردده عشاق صوتك الدافئ في كل مرة طالت فيها غيبتك ثم تعودين بعدها كالطيف الجميل والضوء المسموع والسكون الصاخب, تعودين إلينا فنهرع نحن بالرجوع إليك, وما أحلى الرجوع إليك بنغماتك وهمساتك وزمنك الجميل, بين أول مرة وآخر مرة تردد فيها هذا الهتاف “والله زمان يا نجاة” نحو ربع قرن من الزمان, لن نبدأ القصة من أولها, يوم ولدت هذه الجوهرة الفنية النادرة في أغسطس عام 1938, ولكن نسير في ركب العمل الصحافي بطريقة “الهرم المقلوب” من الأحدث فالأقدم, والأحدث هنا أن نجاة الصغيرة أقامت الدنيا ولم تقعدها في العام 2017 عند الإعلان عن أغنية جديدة لها بعنوان “أحلى الكلام”, ليست الأغنية ولا لحنها أو كلماتها هي من اهتم بها الناس, ولكن خبر العودة وحده كان كفيلا بإحداث ضجة كبرى بعد غياب طويل واحتجاب النجمة الكبيرة منذ عام 2002 فكان هتاف “والله زمان يا نجاة” في الزمان المناسب والمكان الصحيح.
تحت هذا الهتاف أو العنوان كتب الشاعر الكبير فاروق جويدة في جريدة “الأهرام” سعيدا مبتهجا بعودتها، عادت نجاة الصغيرة تطل علينا من الزمن الجميل بأغنية شديدة العذوبة والإحساس, هي كل الكلام.. أطلت نجاة برقتها وكأنها مازالت تغني شكل تاني حبك انت, وأيظن, ماذا أقول له لو جاء يسألني, ولا تكذبي, وروائع كامل الشناوي ونزار قباني, وتفرق كتير, واكتب على الليالي اسمك يا حبيبي.. لم يتغير شيء في صوت نجاة ولم يعبث الزمن برقتها وأدائها الجميل ورغم أنها اختفت عن الناس سنوات طويلة إلا أنها عادت كأنها كانت تغني أمام عبدالوهاب بالأمس..كان آخر عهدي مع نجاة الصغيرة – يقول فاروق جويدة – حين اتفقنا أن تغني قصيدتي “في عينيك عنواني” والتقينا في منزل الأستاذ عبدالوهاب وغيرت بعض الكلمات بناء على رغبتها وطلب الأستاذ وافترقنا بعد ذلك ولم نلتق ورحل عبدالوهاب (1991) ومن بين أوراقه وتسجيلاته اكتشفت قرينته نهلة القدسي أن عبدالوهاب بدأ تلحين القصيدة وسلمتها لمدير اعماله مجدي العمروسي الذي طلب من الموسيقار محمد الموجي أن يكمل اللحن، الذي بدأه عبدالوهاب لتغنيها سمية قيصر، ويكون من حظ القصيدة أن يلحنها عبدالوهاب والموجي معا في سابقة هي الأولى من نوعها.. والآن عادت نجاة تملأ حديقة الغناء جمالا وإحساساً وطرباً.. كانت حياة نجاة معزوفة جميلة وراقية من الإحساس والصدق والتميز.. ان صوت نجاة حالة خاصة جدا, فهي لا تقلد أحداً ولا يجرؤ أحد على تقليدها, كما أنها تملك إحساساً مرهفاً بجمال الكلمة وقد اختارت دائما أن تكون في منطقة لا يشاركها فيها احد لأنها تفضل دائما أن تغني لنفسها ثم يسمعها الملايين.. إن عودة نجاة للغناء – والكلام لايزال للشاعر جويدة – حدث فني كبير بكل المقاييس إنها عودة للصدق والجمال والإحساس والزمن الجميل.. أخذت نجاة مكانتها وسط كوكبة من الرموز العظيمة في تاريخ الأغنية المصرية مع أم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم وفريد الأطرش ووردة وفايزة أحمد وليلى مراد وأسمهان وكل هذه الأصوات الجميلة وبقيت نجاة هي وحدها نجاة الصغيرة.
فإذا كان هذا هو شكل الاحتفاء بعودة نجاة بعد طول غياب, فليس مستغربا أن تثير نجاة كل هذه الضجة وردود الفعل السعيدة في مصر وخارجها ترحيبا بعودتها الجديدة العام الماضي, فعودة نجاة – أيا كان شكل العودة أو نوعها وحجمها – هو حدث فريد، وليس أدل على ذلك من أن التحالف الدولي ألقى بمنشورات على مناطق “داعش” تتحدث عن الفنانة نجاة الصغيرة(!) نعم هكذا قالت وكالات الأنباء، ألقت طائرات التحالف الدولي منشورات على الرقة تحتوي على أخبار متنوعة من الساحة السورية والعالمية، ما أثار استغراب كثيرين بشأن مدى أهمية هذه الخطوة في الظروف القاسية الحالية, وتضمن أحد المنشورات خبرا عن عودة الفنانة المصرية نجاة الصغيرة للغناء بعد خمسة عشر عاما من اعتزالها الطوعي، وأخبارا عن خسائر “داعش” وتقدم قوات سورية الديمقراطية المدعومة من التحالف الدولي.

بين الاعتزال والعودة
قد يكون استغراب الكثيرين أمرا مبررا ومفهوما, ولكن بالتأكيد من منظور تحليلي أرادت المنشورات إن تقول أن الحياة لها ألف وجه بعيدا عن التطرف والإرهاب, عاد صوت الفنانة نجاة الصغيرة إلى الظهور، أغنية قصيرة مدتها 12 دقيقة، من كلمات الشاعر الراحل عبدالرحمن الأبنودي، وألحان الموسيقار السعودي طلال، وتوزيع يحيى الموجي، وإخراج السينمائي هاني لاشين، الأغنية استغرق تسجيلها وتنفيذها فيديو كليب نحو عام في ستديوهات اليونان، بعيدا عن عيون الصحافة والإعلام.
رفضت الفنانة القديرة نجاة الظهور في فيديو الأغنية، وقرر المخرج هاني لاشين الاستعانة بمشاهدها في أعمالها السابقة، فاختار أغنية “ليلة من الليالي” التي أدتها في فيلم “ابنتي العزيزة”وبدأت ترتيبات العمل منذ فترة طويلة، وهو التعاون الأول بين الفنانة الكبيرة نجاة والموسيقار طلال، والتعاون الثاني مع أعمال الشاعر عبدالرحمن الأبنودي بعد أغنية “مالي ومال الناس” التي غناها صابر الرباعي واستمر التنفيذ عاما كاملا بالفعل، وتمت مراحل العمل في الأغنية في عدة مواقع وستديوهات متخصصة بين مصر وفرنسا واليونان، وكانت نجاة تتابع كل تفاصيل ومراحل التسجيل وكأنها تغني للمرة الأولى، وحرصت على اختيار الآلات التي تعبر عن روح الأغنية وتم استقدام عازفين”صولوهات”من تركيا للمشاركة في مقاطع من الأغنية, كما صرح الموزع الموسيقي يحيى الموجي.
وافقت نجاة على العودة وسافرت إلى اليونان وقامت بتسجيل الأغنية هناك، كما وافقت على انجاز فيديو كليب للأغنية بشرط عدم ظهورها فيه وكلفت المخرج هاني لاشين بالبحث في أفلامها عن مقاطع مناسبة، ودمجها في سياق الأغنية، لإخراج فيديو كليب جديد يتماشى مع أجواء الأغنية الجديدة, وأكد لاشين أنه لا يقدم فيلما سينمائيا من خلال الأغنية، وإنما كان تركيزه وهدفه أن يصل بالصوت واللحن والكلمات للجمهور.وقال: كان هدفنا الأساسي أثناء تصوير الأغنية أن نساعد الجمهور .
النتيجة النهائية كانت الأمل الذي بعثته نجاة إلى أصحاب المواهب، تلك الرسالة التي أكدت أن الفن الجميل يعيش بيننا بلا حدود زمانية أو مكانية.

كبيرة في الصغر والعكس
هذه هي الحقيقة التي لا جدال فيها, فقد أبهرت نجاة محبيها منذ الطفولة وحتى الشيخوخة المفروضة على كل إنسان, في كبرها لاتزال صغيرة متوهجة تمتعنا بأعمالها الجميلة, حتى ما مضى منها, وفي صغرها كانت كبيرة بصوتها الدافئ الحنون الذي تظن انه كتلة من الأحاسيس والمشاعر المتحركة, إنها نجاة التي بدأت الغناء في السادسة من عمرها، بتقليد المطربين والمطربات الكبار، خصوصاً أم كلثوم، شدت بأول أغنية خاصة بها وهي في سن السادسة عشرة، لها في المكتبة الموسيقية نحو مائتين وخمسين أغنية وقصيدة، وفي المكتبة السينمائية سبعة افلام, أمكن حصرها جميعا, وهي بالتأكيد حصيلة محدودة لسبعة عقود متواصلة هي عمر مسيرتها الفنية, ولكنها في الواقع مثل الجواهر النادرة لأنها أحسنت الاختيار والتدقيق قبل وصول إبداعاتها لعشاقها ومحبي الطرب أينما كانوا، لم تنشغل نجاة بما يسمى مرحلة الانتشار التي يسقط فيها كثير من النجوم فتجنبت تقديم أعمال ينساها الجمهور بعد ساعات من بثها, فأمتعتنا دائما وأبدا بأجمل الأغنيات: أسهر وأنشغل أنا، كلمني عن بكرة، سمارة، عطشان يا أسمراني, دوبنا يا حبايبنا، أيظن، إلهي ما أعظمك، ارجع إلي، وفي وسط الطريق، شكل تاني، لا تكذبي، ساكن قصادي، إلى حبيبي، استناني، نسي, ماذا أقول له، أه بحبه آه, ايه هو ده, أسألك الرحيلا، أنا بعشق البحر، عيون القلب، يا هاجر بحبك، غريبة، متى ستعرف كم أهواك، القريب منك بعيد، أما براوة..ومن أهم أعمالها السينمائية: الشموع السوداء، سبعة أيام في الجنة، شاطئ المرح، ابنتي العزيزة، جفت الدموع, هي مكتبة فنية بكل ما تحمل الكلمة من معنى، تركت بصمة غنائية عميقة على امتداد مسيرتها الفنية، كانت خلالها نموذجا للطرب العربي الأصيل في زمن الكبار, تميزت كثيرا في وجود كوكب الشرق أم كلثوم، فايزة أحمد، وردة، شادية، سعاد محمد, محمد عبدالوهاب، عبدالحليم حافظ، وفريد الأطرش، صوتها الدافئ جعلها مطربة متفردة ومتألقة طوال الوقت, تماما مثلما كانت البداية وحملت يومها لقب الطفلة المعجزة.
الفتاة التي هزت مصر بصوتها وهي في السادسة من العمر اسمها بالكامل نجاة محمد كمال حسني البابا, ولدت في 11 أغسطس 1938, مصرية من أسرة شامية دمشقية, ولدت في القاهرة، والدها الخطاط العربي الدمشقي الشهير الذي هاجر إلى مصر في شبابه، حيث تزوج بوالدة نجاة وهي مصرية, أختها الفنانة سعاد حسني، وعمها الفنان السوري أنور البابا, ولقد برع والدها السوري المولد في فن الخط العربي واستمع لنصيحة أحد شيوخه بأن يجرب حظه خارج الشام فجاء إلى القاهرة في العام 1912, هذا الرجل كان له سلوك غريب، فهو فنان خط لا يشق له غبار، لكنه مزواج مطلاق كثير الإنجاب، يعتنق في حياته رأيا يبدو غريبا إذ لا يلحق أولاده بالتعليم النظامي بزعم أنه يفسد الموهبة!
نشأت نجاة في منزل متواضع في حي عابدين الشهير، وكان والدها رقيق الحال وأمها مغلوبة على أمرها، والجو العائلي مشحون بالمشاكل, وقع طلاق والدتها وهي في سن الرابعة من عمرها، عاشت مع والدها منزوية معظم الوقت خوفا من تسلطه، كان سلوتها الوحيدة الغناء، فكانت تغرد مثل عصفور محبوس في قفص, وظلت الفتاة الصغيرة النحيلة مغلوبة على أمرها راضية صابرة على والدها الذي يدفعها إلى الغناء في الملاهي في ظل ظروف قاسية, وهذا ما دفع محمد التابعي وفكري أباظة ومحمد عبدالوهاب لمطالبة الهيئات الفنية بإنقاذ الطفلة وحماية صوتها من الاستغلال، واعتبارها موهبة تستحق الرعاية والاهتمام، وعندما ازداد استغلال والدها لها الذي أرهقها في الحفلات كانت تلجأ إلى محمد عبدالوهاب بعد أن تعرفت عليه في الإسكندرية فكان يهدئ من روعها ويحضها على الصبر.
أما قصة إجبارها على شرب الخل لتبقى نحيلة وصغيرة وقادرة على استدرار عطف الجمهور في المقاهي والحانات، فقد كانت أيضا من أكثر القصص الرائجة حول المطربة نجاة ويقال إنها مصدرها للهروب من جحيم والدها الذي كان يحتكر أموالها بالكامل، والقصة الحقيقية أن نجاة، كانت تشرب الخل للعلاج من اصابتها بسعال حاد سببه التأثير المبكر لدخان الشيشة خلال ذهابها لملاهي الغناء مع والدها، وهو ما كان يمنعها من الغناء بقوة، وقد تخلصت من هذا الأثر السيئ عندما وصلت لعامها الخامس عشر، كما ألزمت والدها بالتوقيع على اتفاق تتخلص فيه من وصايته عليها لتنتقل لشقيقها عز الدين, ورغم أنها غنت كثيرا للحب وجماله وللرومانسية، إلا أنها لم تذق طعم الحب والاستقرار في حياتها، وربما عاشته فقط على الشاشة من خلال السينما مشاهدة وتمثيلا.

فرقة موسيقية منزلية
كانت نجاة شأن الأطفال تغني دائما في بيت أبيها، وذات مرة أنصت إليها شقيقها عز الدين، فوجدها لا تخرج عن اللحن الذي تترنم به, عز الدين هو الوحيد بين آل حسني الذي عرف التعليم النظامي فالتحق بمعهد فؤاد الأول للموسيقى العربية وأصبح فيما بعد ملحنا يشار إليه بالبنان, غير عز هناك سامي محمد حسني وهو يجيد العزف على الكمان والرق، ومعه فاروق يعزف على القانون والعود ويجيد الرسم، وسميرة تجيد العزف على القانون والعود والكمان، ومن هؤلاء جميعا وبقيادة الكبير عز تألف أول تخت للمطربة نجاة الصغيرة (ست سنوات), قدم عز طالب معهد الموسيقى شقيقته إلى مصطفى بك رضا رئيس المعهد، ولأن زمانهم غير زماننا، فقد قدمها مصطفى بك لتكون مطربة إحدى سهرات المعهد, وقفت نجاة أمام تختها المكون من أشقائها وغنت من ألحان شقيقها عز, فسعد الحضور بتلك المعجزة الصغيرة، والإذاعة بثت الحفل.
في تلك السنوات الفاصلة بين عامي 1942 و 1955، كانت نجاة لا تعرف من القراءة والكتابة إلا رسم وأصوات حروف الهجاء، الأب لا يؤمن بالدراسة النظامية، نجاة تضع الحرف بجوار أخيه حتى تؤلف كلمة، والكلمة بجوار أختها حتى تؤلف جملة، لقد علمت نفسها بنفسها بدأب وصبر كانت تتعلم العربية بمجهودها الفردي وتتعلم الانكليزية بمساعدة مدرسة، وتتنفس الغناء، خصوصاً أغنيات وقصائد أم كلثوم، عموما مضت حياة نجاة بين حفلات النوادي والأفراح لا تغني سوى أغنيات كوكب الشرق العامية منها والفصيح، وقد ذاع صيتها فسمعها عبدالوهاب وشجعها، وسمعها أكابر الموسيقيين وأهل الاختصاص الذين أزعجهم كثرة سهرها وغنائها فراحوا يطالبون في مقالات لافتة بأن تكف البنت عن الغناء حتى تستقيم حنجرتها فلا تفسد قبل أوان النضج والإثمار، بل ذهب بعضهم إلى ضرورة مقاضاة أبيها الذي لم يكن يرد يد طالب، فمرة حفلة بمائة جنيه ومرة حفلة بخمسة عشر جنيها, كتب عنها الصحافي المصري الشهير فكري باشا أباظة في بداية ظهورها:”إنها الصغيرة التي تحتاج إلى رعاية حتى يشتد عودها، وفي حاجة إلى عناية حتى تكبر، وهي محافظة على موهبتها، مبقية على نضارتها”.. كانت نجاة تستنفد قدراتها في تقليد أم كلثوم، حتى جاءت ليلة وسمعتها أم كلثوم بنفسها وهي تغني “غلبت أصالح في روحي” فشجعتها حتى إنها قبلتها ورفعت من روحها المعنوية بكلمات جميلة, في ذلك الزمن الجميل كان عبدالوهاب محظوظًا بصحبة أمير الشعراء أحمد شوقي بك، وأم كلثوم كانت تحت رعاية والدها ولكن نجاة كانت تقاتل على كل الجبهات بمفردها, في تلك السنوات غنت كثيرا، بل غنت دائما، أكثر الأغنيات كانت تقليدا لأم كلثوم.
في عام 1948 بدأت الفنانة الكبيرة (الصغيرة آنذاك) حياتها الفنية وهي طفلة في إحدى حفلات نادي الموسيقى الشرقي، وعندما قامت للغناء وقفت الطفلة على كرسي من الخيزران وأمسكت منديلا وراحت تحركه بحركة عصبية كما تفعل الآنسة أم كلثوم، وضحك ثلاثة أو أربعة من المتفرجين الذين لم يصرفهم الحديث عن النظر إلى المسرح ثم بدأت فرقة الأطفال تعزف وراحت الطفلة تتمايل مع نغمات الموسيقى ثم فتحت فمها وقالت “غني يا كروان” وهنا استدار الجمهور من شدة الإعجاب بغناء الطفلة, وعندما انتهت الأغنية فقد الجمهور صوابه وراح يصيح ويهتف مطالبا بإعادة الأغنية من جديد ووقفت الطفلة في دهشة وفي عجب وراحت تتساءل عن تصفيق الجماهير فلما قيل لها يصفقون لك راحت تصفق مع المصفقين, وفي صباح اليوم التالي راحت هواتف المحطة تدق وإذا بالآلاف من المستمعين والمستمعات يسألون عن شخصية الطفلة نجاة ويعجبون بصوتها الحنون وهاتف الكثيرون معهد الموسيقى.
الصغيرة نجاة كانت في الخامسة من عمرها فاحمة الشعر سوداء العينين ليست فائقة الجمال ولكنها خفيفة الظل سريعة الخاطر تتمتع بشخصية جذابة رغم حداثة سنها, في عام 1949 حرر من أجلها الموسيقار الكبير محمد عبدالوهاب محضراً في قسم شرطة الأزبكية بالقاهرة ضد الخطاط محمد حسني تأصيلا لواقعة التدخل لحماية موهبتها المبكرة, يطالب فيه بإجباره على عدم تشغيل ابنته الطفلة الصغيرة نجاة التي كانت في عقدها الأول من العمر في الأفراح والمناسبات المختلفة لأن صوتها جوهرة يجب الحفاظ عليها وتشغيلها بهذا الشكل في طفولتها يمثل إهدارا لموهبتها وقضاء مبكراً على صوتها الجميل وإحساسها المرهف وبالفعل نجح عبدالوهاب في الحفاظ على هذه الموهبة الجميلة وصيانتها من الضياع حتى تقدم بها العمر ووصلت لمرحلة الاستقرار.
ولعل من المهم التوقف عند ملابسات تسميتها “نجاة الصغيرة”: هناك روايات كثيرة ولكنها متقاربة ويتردد دوما أنها حملت اسم نجاة الصغيرة لضآلة جسمها وصغر حجمها وسنها، ومن ثم أول ما بدأت مشوارها الفني أطلقوا عليها نجاة الصغيرة, ولكن هذا غير صحيح، كان ذلك للتمييز بينها وبين الفنانة نجاة علي التي كانت لامعة على الساحة الفنية المصرية في ذلك الوقت، فقد تم نشر اسمها للمرة الأولى على ملصق فيلم “هدية” عام 1947 وقررت شركة الإنتاج منحها الاسم الجديد للتفرقة بينها وبين المطربة الكبيرة التي كانت مشهورة آنذاك وشاركت عبدالوهاب بطولة فيلم “دموع الحب” عام 1935, وظل هذا اللقب يرافقها طوال رحلتها الفنية، التي قدر لها النجاح والتميز والتألق مع محطات من العذاب والألم.
(يتبع)

نجاة

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.