نحن… والغرب

0 94

د. محمد الدعمي

ثمة ضبابية في الرؤية باتجاه ما نسميه”غرباً”، ونحو ما صرنا نسميه “الغزو الثقافي”.
أي مسح شمولي لتضاريس الثقافة العربية في القرن الذي غادرناه باتجاه الألفية الجديدة، لن تخفق في الكشف عن تنوعات وتبرعمات أثر الثقافة الغربية علينا من خلال تباين المواقف العربية المثقفة من”الغرب”، بوصفه محكاً من محكات المناظرات والمجادلات، والجدل الساخن الذي يدور كل يوم تقريباً هنا وهناك عبر دول وطننا العربي زيادة على المهجر.
ليس في ذلك مبالغة، فقضية الموقف من”الغرب” كما تتخيله ما تسمى”النخب” غدت جزءاً من هوية بعض الإتجاهات الفكرية، وحتى الحركات السياسية الفاعلة على الساحة العربية.
لهذا السبب، لا يبارح أحد الكتاب العرب النابهين الصواب عندما يميز بين تيارين جوهريين في خارطة الثقافة
العربية المعاصرة اعتماداً على مسألة الموقف من الغرب، وأقصد التيار”الإنغماسي” والتيار “الإنكماشي”، إذ يتجاوز الإشارة إلى تيار ثالث تعتمده بعض الحركات الفكرية السياسية العربية، وهو التيار”الإنتقائي” الأكثر ميلاً للتحرر من”عقدة الخواجة” بسبب رغبته في استلال الإيجابي والمفيد من حضارته.
ثمة نماذج من الأفراد والجماعات المؤثرة الفاعلة ثقافياً ممن يؤمن ان التفوق الغربي الكبير يشكل الذروة النهائية الصاعدة للحضارة البشرية، نظراً الى ما قدمته هذه الحضارة من مبتكرات مادية، وأساليب عيش مرفهة ساهمت في جعل الحياة أسهل، وأكثر إغراءً مما قد يسهم في تفسير ظاهرة”الهجرة الجماعية” التي اقدم عليها العديد من الكتاب والمثقفين العرب نحو المدن الأوروبية والأميركية.
وهذه ظاهرة تستحق من البحث العميق الكثير، متناسين الأثمان الباهظة التي يتوجب على الجمهور دفعها من حساب تطورها وآفاق مستقبلها مقابل هذا الإذعان والانجراف نحو كل ما هو غربي، وهاج على نحو متعام.
إن هذا التقديس الأعمى “للفردوس” الغربي له أضرار بعيدة المدى، ذلك إن انطلاقها من التسليم بأن الحضارة الغربية إنما هي الذروة التي لا يمكن أن تُبز، تفرض حالا على الإنسان العربي من النكوص، واستلاب الإرادة على نحو ينذر بخطر ضياع المبادرة الحضارية من أيدي العرب بسبب الانجراف في تيار العولمة الذي لا يقاوم.
ومن ناحية أخرى، يعبد هذا التسليم الطريق أمام الجيل العربي، من الشبيبة والنشء خصوصا، إلى التخلي عن تراث الأمة على نحو مؤلم، باعتباره أثراً طللياً ليس مجدياً لا يستأهل سوى الحفظ خلف زجاج العرض.
وقد كان بروز “الانكماشيين” من أخطر وأسوأ نتائج التمادي بتقديس المنجز الغربي على سطح الثقافة والسياسة العربية في القرن العشرين.
هذا الاتجاه المحافظ، الذي كان استجابته لمعطيات الحضارة والثقافة الغربيتين يمثل ردة فعل معقدة متحسسة ترتكن إلى كراهية كل ما هو غربي أو وافد، بيد أنه رغم إيجابيات هذا التيار في مقاومة الغزو، التجاري والثقافي للموروث والمحلي والأصولي بغض النظر عن السلبيات، ومن دون انتقاء وانتخاب للإيجابي من هذا التراث الثر الغائر في القدم، أخذ هذا التيار يرنو إلى أن يعيش العرب في جزيرة منفصلة عن العالم، جزيرة لا تغسل شواطئها وأجواءها تيارات التغير والتقدم التي تعصف ببقية أنحاء العالم.
لقد كان هذا حلماً غير مُجدِ: فبدلاً عن تقديس آلهة الغرب الصناعي، ارتجع هؤلاء إلى تقديس أوثان الموروث والمحلي وبشكل غير قابل للنقاش، وهكذا أخذ هذا التقديس المستكين لكل ما هو موروث من دون إنتقائية يحقن الحياة بالتشرذم الطائفي والإقليمي والقبلي الضيق. وقد كانت هذه نتائج لا تخدمنا ونحن نرنو إلى مواكبة روح العصر.
لقد فرض مؤيدو هذا التيار على أنفسهم الإقامة في صومعة مظلمة لا تطل على العالم الدائر حولنا، صومعة لا تستشرف المستقبل بقلب وعقل سليمين متفتحين بخضم عصر المنافسات والسباقات والحوارات التي تلف بدورانها الأمم المتشبثة بأمل أن تجد لنفسها موطئ قدم في عصر جديد بهوية ثقافية متفردة، وعليه، ظهرت دعوات ساذجة، تستدعي التندر والأسف أحياناً، تحثنا على الإنغلاق وإلى إحياء كل ما هو محلي وتقليدي وإن كان من إفرازات عصور تراجع ونكوص الأمة.
وهكذا كان رد الفعل نحو الاندفاع إلى الغرب معاكساً في الإتجاه ومساوياً في القوة، وهو يتجسد في إجترار التقليدي من دون الشعور بأي حاجة إلى تطويره أو تحويره بهدف مواكبة العصر.
لذا، توجب الإشارة إلى التيار العقلاني الذي ارتكن إلى عدم إغلاق الأبواب أمام التقدم الثقافي والتقني الغربي ولكن على نحو انتخابي، أو انتقائي عقلاني، مواشجاً ذلك بالرغبة في إعتصار الإرث الثقافي القومي والروحي في سبيل الإفادة منه لإضاءة الحاضر واستشراق المستقبل، اعتماداً على خبرة التاريخ ومعطيات التقليد الحي والحيوي.
يُعد هذا التيار أكثر عقلانية من التيارين آنفي الذكر. وهذا، كما أرى، هو التيار الذي تتوجس منه القوى الغربية المقبلة على مشاريع الغزو الثقافي والعولمة، وذلك لسببين:
أولهما. عدم سكونيته ورضوخه الذيلي لمعطيات التقدم المادي والتقني الغربي.
وثانيهما: رفضه الانكماش بداخل زنزانة التقليد المتعامي العاجز عن التوليد مستقبلاً.
إن التجريبية العقلانية والعقل، وليس التعامي، هما المعيار والأنموذج الفكري الذي يحدد مسارات وتوجهات هذا التيار الفكري الذي يأمل الا تتخلى الثقافة العربية عن إرثها التاريخي الإيجابي في الوقت نفسه الذي تحاول فيه التشبث بعالم اليوم مشكلاً ثقافة أمة تستحق الوجود.
علاقة هذا التيار بالتاريخ هي علاقة ليست مستكينة لأنها تحاول تحويل الماضي درسا تربويا وفلسفيا، كما أن علاقة هذا التيار الإنتقائي العقلاني بالمستقبل كانت، ولما تزل، علاقة ذكية متوهجة تحاول كنه سر التقدم المادي والعلمي الغربي على سبيل الإفادة منه، وتجنب سلبياته ومنزلقاته المُهلكة.
دلت محاولات استيراد أنماط ثقافية من الغرب على نحو انتخابي انتقائي على أنها مهمة على سبيل تحقيق شيء من التلاقح والمعايشة والتعايش الثقافي، لكنه تعايش ليس على حساب انتزاع جلد الإنسان العربي أو المسلم كي يظهر إنساناً أشقر، كما حاول البعض أن يفعل بتعام.
هذا هو التيار الذي تلاحظه وترصده الثقافات الغربية بسبب توازنه وقدراته المستقبلية التوليد وعلى إمكانيات الحوار الثقافي بلغة العصر.

كاتب وباحث أكاديمي عراقي

You might also like