نحو تضييق الفجوة بين المسلمين والإسلام

د. حازم علي ماهر

د. حازم علي ماهر

لا يستطيع عاقل أن يزعم ان من الممكن أن نقضي تمامًا على الفجوة بين المسلمين والإسلام، لان من المستحيل أن يطابق النسبي المطلق بعامة، لكن – في المقابل- فإن العجز عن الكمال لا يمنع من نشدانه وطلبه قدر الوسع، ناهيك عن ضرورة بذل الجهد في سبيل التخلص من القصور والعجز المؤديين إلى التناقض الفادح بين الاعتقاد والسلوك.
والواقع أن تضييق الفجوة بين سلوك المسلمين وبين مبادئ الإسلام وقيمه وأحكامه، هو حلم المصلحين المخلصين الذين يسعون إلى أن يكون الناس جميعًا –لا المسلمين وحدهم- أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، يريدون وجه الله تعالى، وليست هذه السطور إلا محاولة للسعي إلى الهدف نفسه مع الاستفادة من أدبيات هؤلاء المصلحين, وما أشعلوه من إضاءات تنير لنا الطريق نحو الإصلاح، لاسيما في وقتنا هذا الذي لا يراوح فيه كثير من المسلمين أماكنهم إلا للرجوع إلى الخلف!
وقد سبق القول في المقالة السابقة أن هدم الفجوة القاتلة بين الإسلام والمسلمين لن يتأتى إلا بإعادة فهم الإسلام من جديد، والعمل على تفعيل عقيدته وأحكامه الكلية والجزئية ليتخلق المسلمون بها في حياتهم، أي أن الحل باختصار يتلخص في كلمتين سمعتهما مرارًا من أحد أساتذتي الموقرين، وهما: «الوعي والسعي»، ومؤداهما أن نفكر بعمق ونعمل بجد وإتقان في الوقت نفسه، ومن ثم نتخلص فورًا من حالة «الكسل العقلي» ومن جمود الفكر وتخبط الحركة أو انعدامها أحيانًا للأسف الشديد.
ومن أهم الأمور التي علينا أن نعيها بصدد الحفر في أعماق أزمتنا الأخلاقية أننا كي ننتفع بالإسلام في القضاء على الأزمة تلك -كما انتفع به الأولون- فإن علينا أن نخلصه من التشوهات والشوائب التي علقت به على مدى قرون.
وسأحاول الآن استعراض بعض من تلك الأسقام إجمالاً، قبل التعرض لها تفصيلا في ثنايا الحديث عن النكبات الأخلاقية فيما بعد، وذلك على النحو الآتي:
أولاً: عدم التمييز بين النص الإلهي والاجتهاد البشري: فقد حدث خلط رهيب بين النص الشرعي وبين قراءاته وتطبيقاته، والنتيجة –على سبيل المثال- أن تفاسير القرآن كادت أن تتساوى فعليًا بالقرآن نفسه، رغم أنها مجرد اجتهادات بشرية في فهم آياته، تتأثر بالسياق الزماني والمكاني المحيط بالمفسرين وبطبيعتهم الشخصية وخبراتهم الحياتية المتباينة، وهو الأمر نفسه الذي حدث بشأن الفقه والتاريخ والأعراف التي باتت –عند البعض- مصادر مستقلة للتشريع الإسلامي بعامة وللأخلاق والمعاملات بخاصة، حتى لو خالفت بعضها –أحيانًا- روح الشريعة ومقاصدها الكلية والجزئية، أو فقدت صلاحيتها لاختلاف الأشخاص والأزمنة والأمكنة والأحوال، مما ألبس على المسلمين دينهم وأدخلهم في متاهات وإحباطات وتشرذمات كانوا في غنى عنها لو استبانت لهم -من البداية- الفروق بين الدين والتدين، بين كلام الله عز وجل وما صَحَّ من سنة نبيه (صلى الله عليه وسلم)، وبين اجتهاد البشر في فهمهما وفي تنزيل ما فهموه على واقعهم المتحرك!
وقد أدى هذا الخلط بين الإلهي والبشري إلى كثير من الكوارث الأخلاقية على المسلمين، لاسيما بعد مقتل ثالث الخلفاء الراشدين، عثمان بن عفان (رضي الله عنه)، وما ترتب عليه من افتراق الأمة ونقض إجماعها وتشرذمها إلى فرق وشيع بالغت في شخصنة الإسلام وفي تحقير المخالفين لها، مما أسهم في حرمان الأمة بالتدريج من فاعلية قيم إسلامية أساسية كالشورى والعدل والإنصاف والمساواة…، وبخاصة بعد أن تحولت الخلافة الإسلامية الراشدة إلى «ملك عضوض» أسهم هو الآخر في بذر التخلف الأخلاقي عن الإسلام وبالتالي في الاتساع المهول في الفجوة بين المسلمين ودينهم.
ومن ثم فإن الخطوة الأولى في سبيل إعادة الاتساق بين الذات الإسلامية وهويتها تتمثل في فض الاشتباك بين الإسلام، قرآنًا وسنة صحيحة، وبين اجتهادات البشر في فهمه وفي تنزيله، باعتبار أن ذلك سيعيد للإسلام قدسيته ونقائه وصفائه، ويبرز مقاصده العامة والخاصة وكلياته وقيمه وأولوياته الأساسية، ومن ثم يعيد إليه فاعليته وتأثيره الأخلاقي بعد أن يدرك الناس مدى عظمة هذا الدين التي لا يمكن أن يستوعبها –كاملة وبإطلاق- اجتهاد بشري عرضة للخطأ أو النسيان أو الفتن أو الضلال!
ثانيًا: توظيف الإسلام: والمقصود بتوظيف الإسلام جعله وسيلة للحصول على نفع دنيوي ما، سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي أو غيره، بدلا من توظيف الناس واستثمار الكون كله لخدمته ولتفعيل مبادئه وقيمه بإخلاص في تحقيق العبودية لله الواحد الأحد وتزكية النفوس والعقول وعمران الدنيا والآخرة.
فهناك أبالسة من البشر ألبسوا على الناس دينهم حتى لا يحول بين هؤلاء الشياطين وبين ما يشتهون، ومن أبرز الأمثلة على ذلك كارثة تسييس الإسلام، بمعنى جعله أداة لتحقيق مكاسب سياسية ما؛ كاعتلاء السلطة أو الحفاظ عليها، أو الانتقام من الخصوم وتشويههم وإضعافهم، أو تخدير المحكومين لتيسير الهيمنة عليهم وصرف أنظارهم عما فيه من قيم مقاومة للوهن، وللاستبداد، وللظلم، وللتبعية للمستكبرين، وللإفساد.
ولا علاج لذلك الأمر إلا بكشف هؤلاء الأبالسة ووقف تشويههم للإسلام واستخدامه مطية لتحقيق أغراضهم الدنيوية، والتصدي لهم ولمخططاتهم، وبإلزامهم برفع أيديهم عن الدين وعن مؤسساته وعلمائه ودعاته، وبالكف عن رفع شعاراته، وإلا سينالون عكس مقصودهم، ويحال بينهم وبين تحقيق مآربهم، وهو عقاب لو تعلمون تأثيره عظيم في تضييق الفجوة بين الإسلام والمسلمين!

كاتب مصري
hazemali72@hotmail.com